أردوغان وطموح العودة للحقبة العثمانية

لم تكن في يوم من الأيام العلاقات السياسية بين تركيا والأمة العربية علاقات ودية، ولم ينسَ الأتراك سواء كانوا أفرادًا عاديين أو مسؤولين سياسيين موقف العرب من دولة الخلافة العثمانية، حين وقفت “الثورة العربية الكبرى” بقيادة الشريف حسين مع الدول الغربية في الحرب العالمية الأولى طمعًا في الاستقلال عن دولة الخلافة، وتأسيس مملكة عربية في المشرق، وقد انتهت الحرب بهزيمة دولة الخلافة التي حكمت العرب أربعة قرون؛ مارست خلالها أشد أنواع التمييز والاضطهاد القومي.

بعد وصول حزب العدالة والتنمية الإسلامي بزعامة أردوغان؛ نشطت النزعة القومية الطورانية التركية من جديد بغطاء وعباءة الإسلام السياسي، لإعادة النفوذ العثماني في المنطقة العربية، وذلك خلافًا لما كانت عليه سياسة تركيا العلمانية منذ إعلان الجمهورية برئاسة مصطفي كمال أتاتورك، حيث أدارت ظهرها للشرق والإسلام ووجهت بوصلتها نحو أوروبا؛ مأخوذة بالانبهار الحضاري الغربي بكل مظاهره السياسية والعسكرية والثقافية. وجاء فوز حزب العدالة الإسلامي في العقد الحالي بزعامة أردوغان والذي أسفر عن زوال نفوذ الجنرالات الأتراك العلمانيين في محاولة طموحة عن طريق استلهام التاريخ كوسيلة لإعادة الحقبة العثمانية في الهيمنة السياسية على المنطقة العربية، فتقوم تركيا بالتدخل في العراق بذريعة حماية حقوق الأقلية التركمانية من بطش النظام الطائفي الشيعي الذي تشكل عقب إطاحة الاحتلال الأمريكي بنظام البعث العربي ذي القاعدة السنية العريضة. وفي سوريا لها دور إقليمي سياسي وعسكري فاعل منذ بداية الأزمة بين المعارضة المسلحة والنظام السياسي، وذلك بجانب التنظيمات الظلامية الإرهابية والقوى اليمينية في سعيها لإخراج سوريا من الموقع الوطني. ولم يقتصر الدور التركي على موقف المعارضة للنظام السياسي، بل تجاوزه في محاولة لاغتصاب أراضٍ جديدة كمنطقة أمنية عازلة في الشمال؛ بحجة الخطر الذي تشكله قوات الحماية الكردية المدعومة من الولايات المتحدة في سعيها لإقامة إقليم حكم ذاتي كردستاني، على غرار إقليم كردستان العراق، وهي محاولة تأتي كامتداد لاغتصاب لواء الاسكندرون بموافقة فرنسا الدولة الاستعمارية.

وفي الصراع الذي تشهده ليبيا على السلطة السياسية منذ الإطاحة بنظام القذافي عام 2011، سارعت تركيا بالتدخل عسكريًا بطلب من حكومة الوفاق الوطني في طرابلس الغرب ذات التوجه الإسلامي، والمدعومة من قبل المليشيات الإسلامية، مما يزيد من توتر العلاقات مع مصر الجارة الشرقية لليبيا وينذر ذلك بتدخل عسكري مصري، باعتبار ذلك يندرج في سياق الدفاع عن الأمن القومي المصري الذي يتعرض بشكل دائم لإرهاب التنظيمات الإسلامية المتطرفة في سيناء، وكان آخرها قبل أيام وراح ضحيتها ستة من جنود الجيش المصري.

هكذا فإن الدور الإقليمي التركي البارز الذي ينخرط قي صراعات دول المنطقة الداخلية والذي يتزامن مع مخطط الضم الإسرائيلي كحلقة من حلقات تطبيق صفقة القرن الأمريكية التصفوية، وكذلك مع أزمة العلاقة المصرية الأثيوبية؛ بسبب مشروع سد النهضة، يجعل الوضع في المنطقة العربية على أعتاب حالة متفجرة تسمح بتمرير المشروع الإمبريالي الصهيوني الخطير الذي يستهدف مستقبل المنطقة؛ من حيث مصادرة أهداف شعوبها في التحرر الكامل والتخلص من علاقات التبعية بكل أشكالها. ولكن يبقى الهدف الأساسي الذي تسعى إليه تركيا من وراء هذا الدور الإقليمي البارز هو تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية وأمنية لإعادة أمجاد الدولة العلية في زمن الحقبة العثمانية التي دامت أربعة قرون، وذلك لأن تركيا (أردوغان)، ذات التوجه الإسلامي، وتركيا (أتاتورك العلمانية)، وتركيا (دولة الخلافة العثمانية)، تبقى تركيا واحدة بطموحها القومي في الهيمنة السياسية على العالم العربي والإسلامي وبنزعتها الشوفينية الطورانيه المعادية للأعراق والقوميات.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق