سورية وروسيا علاقة التاريخ والاستراتيجيا

أخذت الدولة الروسية شكل الدولة الحديثة على يد خامس قياصرة آل رومانوف بطرس الأكبر، الذي وضع قدمي بلاده على أولى دروب الحداثة والتحول من أشكال الحكم الإقطاعي الاستبدادي الرعوي الزراعي المتخلف، اجتماعياً واقتصادياً، لتصبح روسيا دولة متقدمة لها اقتصادها الصاعد وصناعاتها وتجارتها، كما وضع رغم استبداده جذور القوانين الأساسية العصرية التي تطورت لاحقاً وفق النماذج الأوروبية الغربية. توسّع القيصر ومن تلاه من قياصرة شرقاً وغرباً لتصبح روسيا الأوراسية دولة مترامية الأطراف والأكبر في العالم ومالكة جيش وأسطول عصري، لكن ذلك لم يجعلها تمتلك القدرة على منافسة الغرب الأوروبي أو الدولة العثمانية في النفوذ العالمي برغم امتلاكها أكبر قوة برية في العالم، وذلك لافتقارها للمياه الدافئة وانغلاقها البحري.

لم تتوان روسيا في سعيها الحثيث للوصول إلى البحار الدافئة منذ أطلق بطرس الأكبر شارة الانطلاق، واخذ جرعات عالية في عصر كاثرين الثانية وتلاحق السعي الروسي برغم تغير النظام بعد عام 1917 ولا زال في عهد القيصر الجديد فلاديمير بوتين فخاضت حرب القرم الطويلة ضد الدولة العثمانية للوصول إلى البحر الأسود، وحرب مع فارس الصفوية للوصول للخليج وبحر العرب، وضد اليابان للوصول للمحيط الهادئ وضد النمسا وبروسيا وضد أفغانستان للوصول إلى المحيط الهندي.

الكنيسة الأرثوذكسية الروسية ترى في البلاد السورية من كيليكيا والرها وأنطاكية ودمشق و القدس وبيت لحم وأريحا بلاد حجيج مقدّسة، ولدمشق خاصية عالية حيث إنها مدينة حنانيا صاحب المكانة الرفيعة في العقيدة الأرثوذكسية الروسية، ولطالما كانت سورية لها أهمية في الاستراتيجية الروسية، فقد دعمت وحرضت ظاهر العمر على الثورة على الدولة العثمانية وأمدته بالمال والسلاح والتموين، وقام أسطولها بعمليات مغامرة لفك الحصار البحريّ عنه في عكا، واحتلت عساكرها بيروت وجبيل ومدن أخرى حينها لإشغال العثمانيين عن ظاهر العمر، وقد أبلغت القيصرة كاترين الثانية مجلس الحرب الروسي الذي انتقد التدخل في عكا قائلة لهم: إن سورية هي مفتاح بيتنا.

لسورية والعالم العربي تجربة سابقة وطويلة مع روسيا في زمن الاتحاد السوفياتي، وتبادل طرفا هذه العلاقة المديح حيناً واللوم حيناً آخر، فالاتحاد السوفياتي كان أول دولة اعترفت بدولة العدوان (إسرائيل) فور إعلانها عن نفسها عام 1948، وذلك بسبب افتراضين إيديولوجي (عقائدي) ثم سياسي، ايديولوجياً كان الاتحاد السوفياتي لا زال ملتزماً ومأخوذاً بالنص الماركسي «المقدس الذي لا يأتيه الباطل»، واعتمد على مقولات ماركس الواردة في الكراس الذي يحمل عنوان: حول الهند والجزائر، حيث يرى أن الاستعمار الأوروبي لبلاد الشرق لا بدّ أن يصاحبه نهوض صناعي بدلاً من الاقتصاد الزراعي المتخلف، وأن ذلك بدوره سيفكك تلك المجتمعات القائمة على القبلية والجهوية وحتى القومية لصالح الأممية العالمية وستخلق الصناعة طبقة عاملة (بروليتاريا) التي ستقود الثورة وعملية التحوّل نحو الشيوعية، أما سياسياً فقد افترض الاتحاد السوفياتي أن في الحركة الصهيونية تكمن بذور تحول بسبب وجود جماعات شيوعية واشتراكية ذات أدوار قيادية متقدمة، وهذه بدورها ستكون حليفاً له في مواجهه ما أسماه ماركس مجتمعات الاستبداد الشرقي، التي ولا بد – حسب ماركس – ان تكون حليفة للعالم الرأسمالي.

قادة الحركة الصهيونية (إسرائيل) في ما بعد أعجبهم التحليل الشيوعي هذا والذي كتب عنه تفاصيل مهمة الدكتور عادل مناع مؤخراً في كتابه نكبة وبقاء، ولكنهم كانوا بالمقابل أكثر مكراً ودهاء ووعي بصالحهم وأجنداتهم، فلم يلتفتوا أو يحفلوا لاحقاً بتلك المجاملات العقائدية والنظرية، وتحالفوا مع الغرب، انجلترا وفرنسا حتى عام 1956، (العدوان الثلاثيّ على مصر) ثم مع الولايات المتحدة منذ ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا. هذا ما بنى عليه القادة الروس وجمال عبد الناصر تحالف الضرورة، وأسس لدخول الاتحاد السوفياتي إلى العالم العربي، مقدماً الدعم السياسي والعسكري (كل بثمنه) لمصر عبد الناصر ولدمشق وبغداد وغيرهم، ولكن الدعم الروسي لم يصل ولا في أي وقت من الأوقات إلى حدود الدعم الأميركي الغربي إلى (إسرائيل).

مع طرد الاتحاد السوفياتي من المنطقة على يد خليفة جمال عبد الناصر ثم تراجعه وتهاويه وتفككه، ورثه الاتحاد الروسي بأثقاله التاريخية التي ورد كثير منها في مطلع هذا المقال، وسعى بشكل حثيث على يد القيصر الجديد فلاديمير بوتين لاسترداد دوره العالمي وللعودة للمناطق التي طرده الأميركان منها، وبقيت المياه الدافئة الحلم العزيز الموروث من أيام بطرس الأكبر وبقيت سورية المفتاح الذي تحدثت عنه كاثرين الثانية، هنا لم يجد الاتحاد الروسي من يقف إلى جانبه غير دمشق التي منحته وما زالت تمنحه الإطلال على البحار الدافئة من طرطوس.

وقفت سورية إلى جانب الروس في أوقاتهم الصعبة وهي مَن أعادهم إلى المنطقة بعد طردهم، وبقيت سورية على عهدها بالوفاء لأصدقائها ومصالحها في الوقت ذاته، فهي تدرك خطورة الدور الأميركي – الغربي المرتبط عضوياً بالاحتلال، الأمر الذي جعلها تنفتح على إيران وروسيا والصين وكوريا الشمالية، وكان لصمودها وانفتاحها ثمنه بأن تعاني من العقوبات الأميركية والغربية، فكانت الأزمة السورية التي يمكن اعتبارها حرباً كونية على سورية فما يزيد على ثمانين دولة ومعهم عشرات التنظيمات الإجرامية والإرهابية تشارك بالحرب، وكان لا بد للحلفاء والأصدقاء الذين تربطهم بدمشق المصالح والصداقة من أن يقفوا معها برغم ضعف بعضهم وحصار بعض آخر، وقفت إيران مدركة أن النسر الفارسي لا يستطيع التحليق دون جناحه الغربي في دمشق، لكن روسيا وأن وقفت إلى جانب سورية إلا أنها بقيت تمارس نوعاً من الفهلوة التي لا تليق بدولة تريد أن تسترد مكانتها التي أضاعتها في السابق، وبدولة تريد أن تعود للمنطقة لتبقى فيها موازنة ما بين مصالحها ومصالح حلفائها وأصدقائها، روسيا تريد أن تكون بلغة التجارة (شريكاً مضارباً) له بالربح وليس عليه بالخسارة، فبرغم كل ذلك التاريخ الطيب مع الدولة السورية والتجارب الفاشلة مع (إسرائيل) وحروبها التاريخية مع تركيا فلا تزال روسيا تمسك عصاها من الوسط غير حاسمة أمرها باتجاه السماح للمضادات الروسية الموجودة في سورية في ردع العدوان الجوي (الإسرائيلي)المتكرّر على سورية، ولم تردع الأتراك عن عدوانهم كما فعل بوتين مع الأتراك في حادثة إسقاط الطائرة الروسية وقتل قائدها.

على روسيا أن تدرك، وعلينا تذكيرها إن غفلت وتناست، أن مصالحها في سورية لا تتوقف عند طرطوس على أهميتها، وإنما في الدور العالمي الذي تطمح باستعادته، وبالثروات الكامنة في الأرض السورية وإمكانيات الشراكة باستثمارها، وفي مشاريع إعادة إعمار سورية، التي ستكون أكبر ورشه أشغال عالمية بالقريب وهي التي جعلت من الإدارة الأميركية تصدر عقوباتها باسم قانون قيصر لابتزاز دمشق ومحاولة إيجاد حصة لشركاتها في إعادة إعمار ما دمرته الحرب. لا يستطيع صديق روسيا الاستمرار بالدفاع عن موقفها، وهي لا زالت تراهن على علاقاتها التركية والإسرائيلية، خاصة عندما يقارن الموقف الروسي تجاه دمشق مع الموقف الأميركي تجاه تل أبيب.

من صحيح القول إنّ السياسة مصالح، ولكنها تحتاج إلى جرعة من الأخلاق لتخفيف قسوتها وتجميل بشاعتها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق