إصلاح علل العقل الجمعي

بالرغم من الخلافات الكثيرة والمدارس المتعدّدة في حقل علم النفس، إلا أن هناك شبه اتفاق بشأن المكوّنيْن الرئيسّييْن لعقل الإنسان: المكون الواعي، والمكوّن اللاواعي.

المكوّن الأول، هو الذي يعي ما حوله من الأشياء بقصد، وبتمعّن، ويتفاعل معها تحليلاً ونقداً، ورفضاً وقبولاً، باستعمال أدوات ومنهجيات علمية ومنطقية. من هنا، فإنه وسيلة من وسائل اكتشاف وخلق الأفكار التي تعين على حل مشاكل الحياة، وإغناء سيرورتها، إضافة إلى مواجهة الاضطرابات والعلل النفسية الفردية الناتجة عن اضطرابات المكوّن اللاواعي.

أما المكوّن اللاواعي الثاني، فهو مخزن للذكريات، والعواطف والانفعالات التي يراد حفظها، أو نسيانها بسبب ما تأتي به من الآم، وعدم اتزان نفسي. وهناك أيضاً تحفظ عشرات الأدوات النفسية الخاطئة التي يستعملها الإنسان للتهرّب من مواجهة مشاكل الحياة بصدق، وشفافية، وهنا توجد الغرائز والمشاعر غير المرغوبة من مثل التعصّب للعِرق، أو الجنس، أو المخاوف غير المبررة، أو الانصياع الأعمى لإملاءات المجتمع، أو السلطة، أو الأيديولوجيا. وفي هذه الغرفة العقلية المظلمة يحاول الإنسان أن يُبقي كل ما فيها سرّاً، وكذباً على النفس، وعلى الآخرين.

هذا التحليل النفسي الذي أوصله إلى قمته عالم النفس الشهير فرويد، من خلال تطبيقه على الفرد المريض نفسياً، ثم نقله تلميذه وناقده عالم النفس السويسري الشهير كارل يونج، من مستوى الفرد إلى مستوى الجماعة، عندما طرح تعبيري «الوعي الجمعي»، و«اللاوعي الجمعي».

وهذا هو ما يهمنا بالنسبة لما يسّميه البعض بأزمة العقلانية العربية.

فمنذ القرن التاسع عشر والأدبيات العربية تمتلئ بمحاولات تشخيص العلل والنواقص في العقل الجمعي العربي، التي يعتقد هؤلاء أنها أحد أسباب تخلّف أمة ومجتمعات العرب. وفي اعتقادي أن جل أولئك المفكرين والمصلحين والمثقفين الملتزمين حصروا دائماً جهودهم في إصلاح أحد المكونين للعقل العربي. البعض ركّز على أهمية الأخذ بالوسائل العقلية العلمية والاجتماعية، من قدرة على التحليل العميق والنّقد الموضوعي وإعادة تركيب المفاهيم وتجاوزها، والتخلّص من العقل الخرافي السابق، والتي استعملها العقل الواعي الجمعي الغربي عبر قرون عدة، والتي قادت إلى نهضته الحضارية التي نشاهدها أمامنا يومياً. بينما ركّز البعض الآخر على البدء أولاً بإصلاح العقل الجمعي اللاواعي العربي، المتمثل في ترسبات قديمة خاطئة من مثل هيمنة التاريخ على الحاضر، أو انتكاسة الدين إلى صراعات مذهبية، طائفية، أو التعايش مع عادات وسلوكات قبلية متناقضة مع حاجات العصر العربي الحديث، أو الانغماس في تبني مواقف تعصبية في مسائل العرق، والجنس، والإيديولوجيات، وغيرها الكثير من المشاعر والوسائل الجمعية العربية اللاواعية الخاطئة التي ترسّخت عبر التاريخ في اللاوعي العربي الجمعي.

المحاولات تلك، إذاً، كانت جزئية لأنها تركز على إصلاح جزء من نواقص العقل الجمعي العربي، بالتركيز إما على إصلاح العقل الواعي أحياناً، وإما على إصلاح العقل اللاواعي، في أحيان أخر. وهذا أسلوب ثبت فشله في التعامل مع الفرد، فكيف إذا استعمل في التعامل مع المجتمعات والجماعات الأكثر تعقيداً، والأصعب علاجاً؟

في اعتقادي أن المطلوب الآن، في مواجهة الدمار الحضاري الهائل الذي يعم الحياة العربية كلها، هو أن ينتقل المفكرون والإصلاحيون والمثقفون والقادة السياسيون الملتزمون العرب، من الذين يعتقدون بوجود علل، أو نقاط ضعف في العقل الجمعي العربي، إلى مواجهة المكونين الواعي واللاّواعي، في آن واحد. ذلك أن المكوّنين مرتبطان ومتفاعلان إلى أبعد الحدود. كل واحد منهما يؤثر سلباً في الآخر بسبب وجود نواقص موضوعية فيه. ونحن هنا نتكلم عن نواقص، أو نقاط ضعف ذاتية اكتشفها مفكرون وكتاّب عرب، عبر عشرات السنين الأخيرة على الأخص، وليس نواقص تخيّل وجودها استشراقيون استعماريون غربيون، أو صهاينة، تعمدوا الحطّ من قدر الإنسان العربي، ومنجزاته التاريخية الهائلة.

ونحن هنا نريد أيضاً أن نؤكد أن هناك كمية هائلة من الكتابات الغربية التي تسعى إلى معالجة علل ونواقص مكوّني العقل الغربي الجمعي الذي أدخل الغرب في أزمته الحضارية المعقدة التي تعيشها مجتمعاته في اللحظة الراهنة. وبالتالي فالموضع يكاد يكون أممياً شاملاً.

المطلوب إذاً، هو مراجعة المخزون الفكري والشُعوري التاريخي الكبير في العقل العربي اللاواعي الجمعي، من جهة، ومراجعة النواقص المنهجية في استعمالات مدارك العقل العربي الواعي المنهجي من جهة أخرى. والمراجعة، لكي تكون ناجحة ومؤدّية الى تغيرات جذرية في طريقة مواجهة المجتمعات العربية لوضعها الحالي، تحتاج إلى أن تركز على إصلاح الحقل العقلي والشعوري برمته، أي على مكوّني العقل الجمعي.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق