فلسطين: غياب الوحدة ولعنة الإجابة عن سؤال ما العمل

هناك ظاهرة في فلسطين يمكن تسميتها بـ “لعنة الإجابة على سؤال ما العمل”؛ وتتمثل هذه الظاهرة بعدم قدرة كل برامج وأساليب الكفاح الفلسطيني على شتى أنواعها، من تحقيق التحرر الوطني وهزيمة المشروع الاستيطاني الإحلالي القائم على أرض فلسطين حتى الآن. وهذه الظاهرة ذات شقين؛ أولاهما أن الفلسطينيين يلعنون أنفسهم ويجلدون ذواتهم على الدوام، وكذلك بعضهم بعضًا في جو من الاتهامات المتبادلة بعدم اتخاذ القرارات الصائبة، لما يجب فعله في كل مرحلة من مراحل كفاحهم. وفي المقابل، يفاقم العالم (الغربي تحديدًا) جلد الفلسطينيين لذواتهم عبر اتهامه لهم بأنهم لا يتخذون القرار الصحيح في الوقت الصحيح، ولا يعملون وفقه، وبأنهم يضيعون الفرص.

لا تقف اللعنة عند هذا الحد، فعلى المستوى الداخلي تتشبث الأطراف بمواقفها وتتعصب لها، وتلجأ إلى الشتائم والتجريح والتخوين ضد الإجابات الأخرى عن سؤال ما العمل، والناتج في هذه الحالة هو التشظي والتشرذم والانقسام والتوازي في العمل، بدلا من التكامل والاقتتال الذي لازم الكفاح الفلسطيني ضد الاستيطان الاستعماري منذ بدايته في القرن التاسع عشر وحتى أيامنا هذه. أما على المستوى الخارجي، فقد دأبت الأطراف الدولية على اتهام الفلسطينيين بأنهم وصلوا إلى ما وصلوا إليه نتيجة قلة تدبيرهم وإضاعتهم للفرص، وعدم قيامهم بالفعل الصحيح في الوقت الصحيح. وعليه يمكن السؤال، عما إذا ما كان السجال الفلسطيني الداخلي الذي يحمل المسؤولية للضحية وليس للجلاد سجالا يُدخل الخطاب الخارجي، الذي يريد للشعب الفلسطيني أن يبقي على إحساسه بعقدة النقص تجاهه، باعتبار هذا الإحساس وسلوك الضحية وفقه ركيزة يستند إليها الاستيطان الاستعماري، لترويض الشعب الأصلاني من أجل توسعه واستمراره؟

يجدر السؤال لماذا يتقاتل الفلسطينيون بشراسة؟ ولماذا يتشرذمون ويشكلون المعسكرات المتحاربة، إذا كان الاستيطان الاستعماري على أرض بلادهم إحلاليًا، لدرجة أنه غير مستعد لإعطاء أي شيء حتى لأكثر المعتدلين منهم؟ لماذا لا يختلفون في إطار من الوحدة وطرح البدائل وليس مجرد الاتهامات؟ لماذا حالهم كحال كل العرب الذين قيل فيهم: “من سوء حظ العرب أنهم لا يتحدون أمام العدو الخارجي” (عثمان كمال حداد، في: وليد الخالدي، نكبة 1948، 2009).

قبل عام 1948، جلبت الوحدة بين فعل دور “الدولة الأم” (بريطانيا في هذه الحالة) وفعل الحركة الصهيونية الديناميكية، والقادرة ماليًا واقتصاديًا قوة مضاعفة، لم يكن بقدرة الشعب الفلسطيني مواجهتها موحدًا. فقد اختلف الفلسطينيون منذ البداية حول طرق مواجهة المشروع، ووصلت ذروة الخلاف عام 1937 ليصبح صراعًا سافرًا بين التيار الذي دعا لقبول خطة لجنة بيل (بعد إجراء تعديلات عليها) لتقسيم فلسطين الشاملة لشرق الأردن إلى دولتين، واحدة يهودية والثانية فلسطينية يقودها الأمير عبد الله؛ وبين من رفضوا ذلك المشروع رفضًا قاطعًا. كان التيار الأول يرى بأن المشروع الاستيطاني الاستعماري هو من القوة بحيث يستطيع أن يتوسع لما هو أكبر مما منحته إياه لجنة بيل، لذا رأى هذا التيار أن الحكمة تقتضي وقف توسع الصهيونية عبر القبول بجزء من فلسطين لها، مقابل الحصول على جزء من الأرض الفلسطينية لتقام عليها دولة فلسطين. أما التيار الثاني، فقد التزم إلى حين موقف الصبر الإستراتيجي القائم على تعزيز الكفاح من أجل تغيير موازين القوى؛ لذا قام هذا التيار عام 1937 بإطلاق المرحلة الثانية من ثورة عام 1936، واستطاع تغيير موازين القوى على الأرض، ما أجبر بريطانيا للتراجع عن التقسيم وحل الدولتين، واستبداله بحل يقوم على إنشاء دولة فلسطينية مستقلة على كل أرجاء فلسطين خلال عشر سنوات، وذلك كما جاء في “الكتاب الأبيض” لعام 1939. وقد أدى نشوب الحرب العالمية الثانية في ذلك العام إلى تجميد إقرار “الكتاب الأبيض” من عصبة الأمم، ما شكل إحدى أهم لعنات الدهر ضد المحاولات الساعية لإقامة دولة فلسطين الديمقراطية على كل البلاد مع تمثيل اليهود فيها حسب نسبتهم. لقد رفض التيار الثاني “الكتاب الأبيض” لعدم شموله العفو عن الثوار، ولتأجيله قيام الدولة الفلسطينية إلى ما بعد عشر سنوات، ما أعتبر تسويفًا ومدخلا لتغيير الموقف البريطاني لاحقًا، ولكنه بات يطالب بتنفيذه بعد نشوب الحرب العالمية حين أصبحت تلك المطالبة متأخرة.

يشير هذا المثال إلى حالة مأزقية لكلا التيارين من القابلين والرافضين لـ”الكتاب الأبيض” عام 1939، فكلاهما ارتهن للموقف البريطاني بتأجيل إقامة الدولة لمدة عشر سنوات، وهو الأمر الذي لم يكن ليحدث كما بينت التجربة اللاحقة، التي جاءت بدخول الولايات المتحدة على الخط بعد انتصارها في الحرب العالمية الثانية ورفضها لفكرة الدولة الفلسطينية، مقابل دعمها لإقامة دولة يهودية على جزء من فلسطين.

في ظل ذلك، وإذ لم تقدم بريطانيا شيئًا، سواء للقابلين أو للرافضين، سوى الوعود التي ثبت فيما بعد أنه لم يكن لها رصيد، وإذ إن الصهيونية كانت تريد دولة على مساحة أكبر مما أعطاها إياها تقرير لجنة بيل، فلماذا لم يتحد القابلون والرافضون في حينه معًا، ولم يسعيا لتنظيم الاختلاف في إطار من وحدة العمل المشترك، لإنهاء الانتداب البريطاني ووقف المشروع الاستيطاني الاستعماري في فلسطين؟

ولعل المثال الثاني لانقسام القابلين والرافضين في معسكرات متقاتلة متوازية، هو مثال اتفاق أوسلو لعام 1993، والذي أرجأ إقامة الدولة الفلسطينية لمدة خمس سنوات ولكن بصورة مواربة، إذ لم يأت على ذكرها بل اكتفى بذكر ما أطلق عليه “الحل الدائم”. وقد قبل موقعو الاتفاق عليه بهذه الصيغة رغم مواربتها وعدم نصها على إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة بشكل صريح، وحجتهم في ذلك أن مسار المفاوضات (الذي سموه بالممر الإجباري) والمقرون بضمانات ووساطة دولية، سيؤدي لتحقيق إقامة الدولة على الأرض. الرافضون في المقابل، فقد أراد قسم منهم الاستمرار في الانتفاضة الأولى حتى تنتج ثمرة أفضل من اتفاق أوسلو، وأراد قسم آخر الاستمرار في الكفاح إلى حين تغير الظروف لتحرير فلسطين تحريرًا كاملا. ومع يومنا هذا يتضح أن طريق أوسلو قد أدى لتعميق الاستيطان الاستعماري أكثر مما أدى إلى تحقيق انكفائه. وفي الوقت ذاته، لم يستطع التيار الرافض تحقيق أي تقدم بعد على طريق التحرير. يعني ذلك التساؤل مرة أخرى حول السبب الذي جعل الطرفين ينقسمان بدلا من تصريف الخلاف بينهما في إطار من وحدة العمل، وبرنامج الحد الأدنى بينهما.

لا يتجاهل هذا السؤال حقائق وجود خلافات أيديولوجية، وأخرى ذات صلة بالولاءات الخارجية والارتباط بهذا المحور العربي ضد ذاك وهكذا… السؤال مبني في المقابل على حقيقة وجود كيان استيطاني استعماري غير مستعد لإعطاء أي شيء، والحاجة للوحدة الوطنية باعتبارها أمرًا وجوديًا له علاقة بأن يكون الشعب الفلسطيني أو لا يكون. عدم إدراك هذه الحقيقة قاد إلى إحلال التعارك الداخلي محل بذل الجهد لإيجاد برامج العمل المشتركة، ولو بالحد الأدنى، لمواجهة القضايا المشتركة، وهناك تجربة القائمة المشتركة في فلسطين الداخل، التي أدركت أحزابها الأربعة ذلك وتوحدوا فيها رغم كل الاختلافات، وهي تجربة من الجدير أن تدرس وتقتفى، كما أن من الجدير لها أن تستمر لمواجهة التحديات المتفاقمة.

السؤال الآخر القائم بما يتعلق بلعنة سؤال ما العمل هو: هل يعني فشل التيارات الفلسطينية المختلفة في تحقيق النصر منذ عام 1897 وحتى اليوم، فشلها النهائي في الإجابة على سؤال ما العمل؟

حتى الآن الإجابة هي لا على هذا السؤال، إذ إن الشعب الفلسطيني لا زال موجودًا على أرضه ولم ينهزم، ولعل التغييرات الضرورية للانتقال من حالة عدم الهزيمة إلى الانتصار تتطلب حوارًا فلسطينيًا شاملا، لتشخيص وتقييم ما وصل الوضع الفلسطيني إليه، وإعادة الاتفاق على الهدف والبرنامج وأدوات الكفاح في ضوء ذلك، لشق طريق مشترك والمثابرة عليه لعقود طويلة، بديلا للاستعجال في تغيير البرامج والأدوات والوسائل، كما دأب الفلسطينيون على فعله سعيًا منهم للقطف السريع للثمار قبل نضوجها، ما أدى إلى الكثير من الاخفاقات. ولعله يجب سلوك طريق كهذا وذلك كما فعل الشعب في جنوب أفريقيا منذ تعرض للاستيطان الاستعماري عام 1652 وحتى تحرره عام 1994 بعد حوالي 350 سنة، وكما فعلت إيرلندا التي تحررت معظم مقاطعاتها من الاستيطان الاستعماري البريطاني عام 1921، بعد أكثر من 850 سنة من الاستيطان الاستعماري الذي بدأ عام 1167.

“ولا نتوب عن أحلامنا مهما تكرر انكسارها” (محمود درويش)

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق