مطارحات حول نظرية التطور اللامتكافئ

المؤسسون لنظرية التبعية يرون أن التنافس الاقتصادي بين الدول، لا يشبه التنافس بين أعضاء فرقاء كرة القدم

أثار المقال السابق، «نحو عالم أكثر عدلاً» تساؤلات عدة لدى بعض القراء، تمحورت حول نظرية الأطراف والمركز، وكيف قفز المقال، من تناول هذه النظرية إلى مناقشة الأوضاع الاقتصادية في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية. نقطة أخرى، تمت ملاحظتها حول دولة الرفاه، وأنها باتت جزءاً من برامج الأحزاب السياسية في الغرب، ومن ضمنها أحزاب يمينية.

وابتداء يقتضي التذكير، أن دولة الرفاه، التي تتبناها في الغالب أحزاب الطبقة المتوسطة، هي نتاج النظرية الكنزية، وترى أن نجاح الرأسمالية يعتمد إلى حد كبير، على الوفرة المالية. ولذلك طرحت دولة الرفاه، كسبيل لمعالجة هذه الحالة، وتقضي أن يتوفر قسط من المال، لدى القاعدة العريضة من البشر، مع توفر الخدمات السكنية والصحية والتعليمية. لكن هذا التنظير لم يجرِ تبنّيه في استراتيجيات وبرامج الكثير من الأحزاب السياسية بالغرب.

وفيما يتعلق بنظرية الأطراف والمركز، فهي بالأساس محاولة لقراءة العلاقة بين العالم الصناعي المتقدم، وشعوب العالم الثالث، وتحديداً شعوب القارات الثلاث، آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية. وهي دحض لنظريتين متضادتين، النظرية الماركسية ونظرية الاقتصاد الحر في آن معاً. وخلاصتها أن التطور الرأسمالي في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية، لا ينعكس إيجاباً على شعوب العالم الثالث، بل هو لاجم ومعوق للتنمية في تلك البلدان.

من هنا فإن تركيزنا في الحديث السابق، على الغرب بشكل خاص، يأتي في إطار تحليل موضوعي. وما عداه من حديث عن العلاقة بين المركز والمحيط، في البلدان النامية ذاتها، لم يأت في سياق اهتمامنا بمناقشة التطور اللامتكافئ.

نظرية التبعية المعاصرة في بداياتها، هي رد على نظرية المراحل، التي طرحها في الخمسينات من القرن الماضي، والت روستو، مستشار الرئيس الأمريكي، جون كنيدي لشؤون الأمن القومي، والتي اعتبرها بياناً معاكساً للبيان الشيوعي. في هذه النظرية يرى روستو، أن العالم بأسره، يتجه نحو تبني النمط الديمقراطي الغربي، وأنه ليس بالضرورة أن تدخل البلدان النامية مرحلة النمو الصناعي، يكفيها أن تقدم المواد الخام، للبلدان الصناعية. وأن ذلك سيتكفل باندماجها الإيجابي بالغرب وتبنيها لقيمه الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وأن العلاقة بين هذه الدول والغرب، يمكن أن تكون قائمة على الندية والتكافؤ.

يعترض المؤسسون لنظرية التبعية، وعلى رأسهم جندر فرانك، على تنظير والت روستو، ويرون أن التنافس الاقتصادي بين الدول، لا يشبه التنافس بين أعضاء فرقاء كرة القدم، حيث الفرص متساوية بين الفرق المتنافسة. إنها في العلاقة الاقتصادية بين دول العالم الثالث، والعالم الصناعي المتقدم قائمة منذ البداية على الاستغلال والقسر والنهب. وما ينتج عن هذه العلاقة هو تبعية الأضعف للأقوى. ولذلك، وهنا يختلفون أيضاً مع النظرية الماركسية التي ترى في النظام الرأسمالي في الغرب، عاملاً مسرعاً للنمو في اقتصادات جميع بلدان العالم. وبالدرجة نفسها، يختلفون مع النظرية الاقتصادية الرأسمالية، في أن العلاقة بين دول العالم المتقدم والعالم النامي، لا تقوم على التجانس بل على الصراع.

يبقى أن نشير إلى أن اليمين واليسار، تسميات نسبية، وليست ساكنة، وهي متحركة. هناك حركات بدأت يسارية، كالحركة الفابية، في بريطانيا، ثم تحولت في سياساتها الخارجية إلى أقصى اليمين، والعكس يمكن أن يكون صحيحاً. ولدينا مثال آخر صارخ في الصين الشعبية، أين هي سياساتها الاقتصادية الآن من سياسات ماوتسي تونج وثورته الثقافية. ما يهم إذا هو محاكمة البرامج وليس الشعارات المعلنة. وهنا يقتضي الإقرار، بأن هناك فصلاً تعسفياً في بعض الدول الغربية، بين السياسة الخارجية والاقتصاد، لكن قراءة ذلك يجب أن توضع دائماً في السياق التاريخي، وفهم ظروف ومستحقات هذا الفصل.

وما يهمنا في هذه القراءة، ليس استعراض تاريخ تطور النظريات التي أشرنا إليها، ولا ظروف نشأتها، ولكن علاقتها بالمستقبل، بعد خلاص البشرية من وباء كورونا، وما تفرضه علينا جميعاً، من أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية حادة، وما تقتضيه من إعادة تركيب وصياغة للمفاهيم النظرية فيما بعد انقشاع كورونا.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق