بين جائحة كورونا وصنم الدولة: البقاء للمصنع!

بعد تفشي وباء كورونا عالميًا، وحصده الأرواح في كل مكان، انشغلت كل دول العالم، كل على طريقتها الخاصة، في مكافحة هذا الوباء، لكن ما يستدعي الانتباه في هذه (المكافحة) أنها فصلت على مقاسات الدول وحساباتها الداخلية الخاصة، داخل حدودها المغلقة. فالدول الغربية عمومًا، أخذت في الحسبان حاجاتها الاقتصادية كمدخل أساسي للتعاون مع هذا الوباء، فهي وحتى هذه اللحظة ما تزال تراوح مكانها في التصدي لكورونا وتبعاته الصحية، وخطورته على النفس البشرية، ففي غياب الدواء اللازم لهذا الوباء وكذلك عدم قدرتها في المدى المنظور، على تصنيع اللقاح اللازم، اجترحت تلك الدول فكرة الحجر الصحي، والعزل الاجتماعي، في محاولة لإبطاء تفشي الوباء، لحين الحصول على اللقاح، لكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المسعى: هل من الممكن والمعقول أن ينجح الحجر الصحي والعزل الاجتماعي المحدود في عملية الإبطاء؟

بالتأكيد إن كل المؤشرات الرقمية لأعداد الضحايا والمصابين في الدول الغربية تشير إلى أن انتشار الفايروس ما يزال في حالة صعود، إذًا، كيف يمكن التسويق لهذه الفكرة والممارسة وهي لا تؤدي إلى نتائج إيجابية ملموسة على الأرض؟

والإجابة تتضح يومًا بعد يوم وتتلخص في عملية تدجين (المواطن الغربي) وإيصاله إلى قناعة تامة أنه بين أمرين لا ثالث لهما، وهما الجوع أو التعايش مع الوباء، لحين توقفه، وفي سبيل بقاء المصنع مفتوحًا وخطوط الإنتاج قيد التشغيل، فلا بأس من سقوط ضحايا، فالبقاء في النهاية للمصنع، والدولة المستبدة التي تلبس قناع الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

ففي امتحان كورونا سقطت الأقنعة جميعها، وبانت الوجوه الحقيقية للثقافة الغربية بكل تلاوينها، فالدولة الرأسمالية اليوم أصبحت هي (الدين) والاقتصاد الليبرالي هو (المذهب)، ولا يمكن القفز عن هذه الحدود “المرجعية”، فـ”صنم” الدولة الغربية لا يقبل التشكيك بمرجعيته الأصلية، وكل ما في الأمر هو أدنى منه، ويمكن التعامل معه وإيجاد الحلول الخلاقة له، عبر مؤسسات الدولة، والتي هي بالأساس جزء من مسببات المشكلة، بل هي جزء أساسي في صناعة الأزمة وتفاقمها، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه، والملاحظ هنا أن (كتلة) من (المثقفين) الغربيين، ظهروا في الآونة الأخيرة ليؤكدوا على تلك المقولات التأسيسية دون أن يرف لهم جفن، ودون تقديم مقاربات نقدية حقيقية تتعلق بأصول الدولة الغربية وممارساتها العملية، بينما انصب النقد بالمجمل على بعض الممارسات العملية بقادة تلك الدول وعلى رأسهم “دونالد ترامب”، في محاولة منهم لشخصنة المشكلة، بحيث أصبحت المشكلة هي مجرد ممارسة خاطئة، في محاولة منهم لتنزيه المؤسسة عن كل الخطايا والضحايا اللذين سقطوا في “ماكينتها” بينما أشباه المثقفين في ديارنا العربية انحازوا أيضًا إلى منطق أسيادهم الغربيين.

فكورونا (الجائحة) باعتبارها تهديدًا وجوديًا للبشرية لم تدفع بعد إلى تخليص العالم من أسر النظام الاقتصادي النيوليبرالي، في ظل غياب تصورات نظرية ومقاربات ثقافية خارج حدود السلطة، فبينما غدت وسائل الإعلام جميعها دون استثناء أداة (جلد) يومي للمواطن في الشرق والغرب عبر رسالتها الواحدة التي لا تتغير، والتي تطفح بالأخبار التي حولت الإنسان إلى رقم في عداد الضحايا، منشغلة بهذا ومسببة الهلع لمتابعيها، لتمر السياسات دون اعتراض من أحد، بل تسليمًا لها باعتبارها قدرًا لا يرد.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق