الجامعات الفلسطينية وفيروس التطبيع

شعبيًا، لم تواجه حركة النضال الوطني الفلسطيني إشكالية في الرفض الشعبي لأية علاقة مع المحتل، بل ووصمتها تاريخيًا بالخيانة، ومع محاولات البعض بإقامة جسور علاقة كان الشعار الأساس هو التطبيع ليس وجهة نظر، بل هو خيانة، ليس ذاك وحسب، وإنما أيضًا هو تشريع لوجود الاحتلال؛ الأخطر تحويل الصراع إلى حوار وليس صراع وجود.

مع أوسلو، تفاقمت الحالة، حيث فتحت نخبة أوسلو السياسية والأمنية الباب على مصراعيه لفتح علاقات مع الاحتلال، واليوم تُعد “لجنة التواصل مع المجتمع الإسرائيلي” التجلي الرسمي لهكذا علاقات تطبيعيه.

ومع تراجع العمل السياسي والمقاوم، وانكفاء الجماهير نحو همومها اليومية، برزت محاولات شعبية للوقوف أمام سيل التطبيع فكان لجنة المقاطعة الوطنية التي بالنهاية ضمت أطرًا شعبية وأهلية وفصائل العمل الوطني، وهي تعمل بجد من أجل محاصرة الاحتلال عالميًا عبر سحب الاستثمارات ووقف التعامل مع الاحتلال عالميًا.

في العام 2004، وفي رام الله احتضن مركز بلدنا مجموعة من الأكاديميين والناشطين الفلسطينيين في مقاطعة الاحتلال ومناهضة التطبيع، حيث تأسست الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل (باكبي-PACBI) للمساهمة في النضال من أجل العدالة والحرية والمساواة للشعب الفلسطيني، حيث تدعو الحملة إلى مقاطعة المؤسسات الأكاديمية والثقافية الإسرائيلية لتورطها المستمر والعميق في إنكار الحقوق الفلسطينية المنبثقة من القوانين الدولية.

اتسع العمل وحققت إنجازات على المستوى العالمي، حيث جامعات ومجالس طلبة قامت باتخاذ قرارات جريئة بمقاطعة المؤسسة الأكاديمية الإسرائيلية، على قاعدة إنها تخدم الاستعمار عبر تشريعه وتعزيز قوته في المجالات المختلفة، حيث الجامعات وأبحاثها تُسخر في خدمة الاستعمار.

فلسطينيًا، كان التعامل مع الحالة له معاييره ومفاعيله المختلفة، حيث جامعات محسوبة على السلطة السياسية تغاضت عن علاقات التطبيع البحثية التي يقوم بها بعض الأكاديميين، أو حتى شجعت مشاريع بحثية ومؤتمرات مشتركه. وفيما توغلت بعض الجامعات في التطبيع، وقفت الحركة الطلابية في مواجهة ذلك، رغم أنه شاب أدائها بعض الإرباك تبعًا لهذا الحزب أو الحركة أو تلك.

ومع ذلك، استطاعت حركة المقاطعة وبجهود طوعية أن تفرض التطبيع كسلوك ومنهج مرفوض، بل جعلت الكثيرين يترددون في إقامة هكذا علاقات، والأهم فيما قامت به حركة المقاطعة الأكاديمية هي التعاون مع اتحاد نقابات الجامعات، والذي اعتبر في بيان تم تعميمه على الجامعات الفلسطينية أن أي أكاديمي يثبت قيامه بنشاط تطبيعي أي كان، سيتم ملاحقته والمطالبة بإقالته.

جامعة بيرزيت: نموذج يستحق التعميم
في هذه العجالة من المهم التركيز على جامعة بيرزيت والتي شكلت نموذج ليس في التزامها بموقف وطني مناهض للتطبيع فحسب، ولكن أيضًا هي من أكثر اللجان الفاعلة في مناهضة التطبيع الأكاديمي وحتى السياسي في الجامعات، وتعد لجنة المقاطعة الأكاديمية جزء من لجان نقابة العاملين، وبالتالي فإن ما تقوم به هو ملزم لمجمل مجتمع الجامعة، أيضًا إدارة جامعة بيرزيت كانت قد صرّحت اكثر من مرة حول موقفها المناهض للتطبيع والمساند للجنة المقاطعة. ويمكن الجزم أن جامعة بيرزيت عملت وعلى مدار العقود السابقة بالحفاظ على الحرم الجامعي محصن وغير مخترق، ما شكل رادعًا للكثيرين ممن لديهم الاستعدادية تحت مسمى البحث العلمي بالاشتراك في مؤتمرات أو أبحاث مع أكاديميين إسرائيليين.

فيما يتعلق بالحركة الطلابية في جامعة بيرزيت، هي أيضًا يمكن الجزم أنها متقدمة على الطبة في جامعات أخرى في علاقتها بكل ما هو وطني ويتعلق بمناهضة الاحتلال والنضال ضده، وليس بعيدًا عنا الأخبار اليومية حول اعتقال وملاحقة طلبة جامعة بيرزيت.

في العام الماضي وأثناء يوم التوظيف السنوي الذي تعقده الجامعة لتعريف الطلبة بالشركات والمؤسسات التي يمكن العمل فيها بعد التخرج، قام الطلبة بالاحتجاج وبطرد شركة عسل للتقنيات التي تدار بالكامل من تل أبيب (الشركة الأم)، فيما موقعها مدينة روابي، والتي حسب حركة المقاطعة BDS هي غارقة في علاقات التطبيع مع الاحتلال.

واليوم تخوض لجنة المقاطعة في الجامعة جدلًا وصراعًا حادًا مع مجلس الأمناء على خلفية مشاركة أحد أعضاء المجلس بلقاء تطبيعي في تل أبيب، تحت مسمى برلمان السلام، وطالبت في بيانها بإقالته وطرده من مجلس الأمناء، فيما هناك ضغوط عالية على الجامعة من أعلى الهرم السياسي بعدم إقالته، وما زالت المسألة معلقة نتيجة حالة الطوارئ المعلنة بسبب فيروس كورنا، حيث أغلقت الجامعة أبوابها.

إن حالة الانهيار السياسي لسلطة أوسلو أوجد معايير ومقاييس مائعة وغير واضحة فيما يتعلق بالعلاقة مع الاحتلال، فيما يحاول مثقفي السلطة إيجاد مسوغات للتطبيع على قاعدة “بدنا نعيش”. هناك غياب لموقف وطني حازم يقوم على محاسبة ومتابعة المطبعين.

الجامعات اليوم بحركتها النقابية والطلابية تشكل إحدى المواقع والأدوات المركزية لخلق حالة وطنية رافضة، وهي التي تدق ناقوس الخطر من فيروس التطبيع المنتشر بفعل تشريعه الرسمي من سلطة أوسلو. وتدرك لجان المقاطعة بأن أي تراخي أو تراجع سيعزز من حالة التطبيع المنفلتة، ليس في فلسطين وحسب، بل وقد تسللت بقوة عبر الأنظمة العربية التابعة لمنظومة الاستعمار الأمريكي الصهيوني؛ لذا تشكل فلسطين الحلقة المركزية في هذه المواجهة، والمفترض أن تشكل الجامعات خط دفاع رئيسي، خاصة أن مشاريع التعاون البحثي الأكاديمي، والتي بدأها نظام كامب ديفيد، اليوم وبدل من أن تنحسر، ينضم لها مزيد من الأكاديميين العرب، وإن كان هناك بالمقابل لجان مقاطعة على المستوى الأكاديمي في الجامعات العربية، وهي لجان يفترض أنها تتابع التطبيع بأشكاله المختلفة؛ الاأكاديمية، الرياضية، الفنية، الثقافية… الخ.

نحن امام معركة وطنية وعربية لمقاومة التطبيع عبر الجامعات والمؤسسات الثقافية، وهي معركة تشكل جزء مهم من نضالنا الوطني، ومهم ان لا ننسى ما قاله “الحكيم” جورج حبش “قد نخسر كل الجبهات ولكن علينا ان لا نخسر جبهة الثقافة” ، وهذه الجبهة تشكل الجامعات الأداة والساحة المركزية لها، ليس في المقاومة ولكن أيضا في بناء جيل من الطلبة واعٍ ومحصن وقادر ان يساهم بقوة في انحسار هذا الفيروس التطبيعي. ولنتذكر دوما ان المسألة ليست اختلاف وجهة نظر، بل صراعنا هو صراع الوجود مع محتل ومستعمر سمته الأساسية العنصرية وممارسة الإبادة لشعبنا الفلسطيني.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق