التمويل الاوروبي سموم يتذوقها البعض عسل

يحتدم الجدل هذه الأيام حول كيفية التعاطي مع التمويل الاوروبي للمنظمات الأهلية، الذي اضيف لشروطه العديدة وارتهانه للاجندة الاوروبية والفهم المشوه للتنمية، شرط جديد، توافق بموجبه صراحة كل مؤسسة ترغب بالحصول على تمويل اوروبي، على تصنيف الاتحاد الاوروبي لعدد من فصائل العمل الوطني الفلسطيني على انها كيانات ارهابية، وليس فصائل عمل وطني تخوض نضالاً مشروعاً ضد الاحتلال، وهو ما وضع هذه المؤسسات امام معضلة كبيرة، تحيلها الى دواعي ومبررات وجودها واستمرار عملها.

كل المؤسسات ومسؤليها من مدراء ومجالس ادارة تقر بالخط العريض بأن الشروط الاوروبية الجديدة قاسية ومذلة، تطال ثوابت ومسلمات العمل الوطني وتمتهن الكرامة الفلسطينية، بل تمس جوهر عمل المؤسسات نفسها، وطبيعة خدماتها التي باتت مقيدة أكثر وأكثر، وهو ما حدا بالعديد من هذه المؤسسات الى رفض واضح وصريح للتمويل الاوروبي بالشروط الجديدة، لكن عدد آخر من هذه المؤسسات بحثت عن تبريرات عقيمه وسراديب تنفذ من خلالها الى اليورو الاوروبي بغض النظر عن الأثمان التي تدرك ان عليها دفعها.

أول هذه الاثمان، هو تخلي هذه المؤسسات عن أهدافها الوطنية والتنموية المعلنة، وخاصة تلك التي تأسست في زمن المد الوطني في ثمانينيات القرن الماضي، حيث انطلقت هذه المؤسسات كأجسام ولجان شعبية مناهضة للاحتلال وسياساته، وتقدم خدمات بديلة عن كيان الاحتلال واذرعه من ادارة مدنية وروابط قرى وغيرها من المسميات، حينها كانت اغلب هذه الاجسام مرعية من فصائل العمل الوطني التي يتوجب على المؤسسات اليوم ادانة نضالات بعضها ووصمها بالارهابية، وهو ما يصح معه تشبيهها بالأبن العاق الذي يتمرد على والديه ويتنكر لفضلهما عليه وعلى وجوده.

وثاني هذه الأثمان، هو دخول نفق القبول بالتنازلات، أي كانت، مقابل الحفاظ على التمويل، أي كان مصدره وشرطه، مقابل الحفاظ على هيكليتها الادارية وتضخم اعداد موظفيها، ورواتب وامتيازات كادرها ومدرائها، فالرفض المعلن للشروط لم يقابل بالامتناع عن قبول التمويل واغلاق بابه، بل بالبحث عن مخارج لقبوله، تارة من خلال مقترح رسالة توضح فيها عدم موافقتها على ما يتضمنه العقد من شروط، وهو مقترح رغم ميوعته تم رفضه من الاتحاد الاوروبي، وتارة من خلال القول بقبول الامر الواقع، ومن ثم العمل على تغييره عندما تحين ظروف تعلم هذه المؤسسات انها لن تحين، على الأقل في المدى المنظور.

وثالث هذه الأثمان هو مخالفتها الصريحة لقانون الجمعيات الأهلية الذي ينص صراحة على عدم جواز قبول التمويل المشروط، وهو ما يضع هذه المؤسسات تحت احتمالية العقاب الذي قد يصل حد الاغلاق من السلطة التنفيذية، او الاستيلاء عليها أو حلها. خاصة وان السلطة وعبر رئيس حكومتها رفضت هذه الشروط وطالبت بسحبها، كما رفضت منظمة التحرير عبر أمين سرها هذه الشروط ودعت الاوروبيين الى التخلي عنها، وبهذا فان هذه المؤسسات تضع رقبتها تحت سيف السلطة، وتضع نفسها تحت السقف السياسي للسلطة.

أما رابع هذه الاثمان، فهو تعزيز حالة الاغتراب القائمة اصلاً بين المؤسسة وموظفيها، وبين المؤسسة وهيئتها العامة التي يفترض ان تكون صاحبة القرار والقول الفصل، فالمؤسسة الممثلة بمديرها او لجنة ادارتها في بعض الأحوال تبحث عن التمويل كي تبقي على مكانتها وسلطتها وامتيازاتها، فيما هيئتها العامة غالباً تتطلع للحفاظ على دور وطني وتنموي للمؤسسة، ولا تعنيها مصالح وطموحات الادارة. أما موظفيها فهم غالباً بين نارين، يتنازعهم هم القيام بما يخدم الجمهور المستهدف او متلقي الخدمة والمعونة، وهم الحفاظ على الراتب وتأمين لقمة العيش، وعندما يوضع الموظف امام خيار البقاء في الوظيفة وغض النظر عن مصدر الراتب وثمنه الوطني، وخيار ( الارتماء في الشارع ) كما هددت بعض ادارات المؤسسات موظفيها لتبرير قبولها الدعم المشروط، فان هذا يعمق حالة الاغتراب لدى الموظف ويضعه في مكانة لا يحسد عليها.

وأي كان مدى ادراك السائرين نحو قبول التمويل المشروط لهذه الاثمان وغيرها، فان بعضهم قد تجاوز دوره اتخاذ موقف بالرفض أو القبول، نحو القيام بدور العراب لاقناع الآخرين بالقبول، بالحجة حيناً، وبالحيلة والخداع أحياناً أخرى، وهو دور معه يجب ان تقرع الاجراس، وتطرح الأسئلة، وتثار كل التساؤلات ليس حول العمل الأهلي وجدواه، بل حول مسيرة التحول لهذه المؤسسات والى أين ستنتهي.

هذه التساؤلات يجب ان لا تسمع اجاباتها من المدراء والادارات التنفيذية والمنتفعين من مناصبهم في مجالس الادارة، بل من السياج الحامي لهذه المؤسسات وأهدافها ورؤاها، وأقصد اعضاء هيئاتها العامة، والاحزاب والقوى الوطنية والمجتمعية التي تؤمن بالأدوار الوطنية والتنموية لهذه المؤسسات.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق