ما لا يقال عن كورونا.. الصراع بين الطبيعة والإنسان

وصلتني منذ أيام نسخة من «الفيديو» الذي يتخاطفه أهل «حي الميدان» العريق في دمشق مترصّداً حركة حيوان النمس المثير. يقفز بأمان بين النوافذ ويعربد بين جنبات الشرفات. عقدت الدهشة لسان الجميع، وهم يتساءلون: كيف تسلل هذا الحيوان المخفي دوماً في أطراف المدينة وغاباتها؟ ثم تبيّن أن هناك العديد من الحيوانات الوافدة إلى المدن في العالم قاطبة، مطمئنة من عدم إيذاء البشر الذين سكنوا في صمت الخوف من «الكورونا»، فقد أقفرت الشوارع من السيارات والمشاة، وخفتَ الضجيج العام ورذاذ التلوث.

شاهدنا قبل ذلك فيلماً وثائقياً (في نشرة الأخبار المتلفزة) يتعقب فهداً مفترساً يقفز على جدران المدينة المنكوبة بالكورونا في إيطاليا وهي ميلانو، وكأنه يسترجع من خلال سكون الحجر الصحي العام الفراغ الذي انتزعه من حقه الإنسان. وطالعنا في فيلم نظير كيف أن بعض الخنازير البرية الضخمة تعبر شوارع باريس الساكنة المقفرة بشكل واثق ومطمئن وافدة من الغابات القريبة تنتهز فرصة الغياب المطلق للبشر والسيارات، وكانت ابتدأت اجتياح روما في الليل منذ عدة أشهر.

ويعتبر الشهر الراهن وفق التقاليد الفرنسية موسماً لصيد أكثر من ثلاثين ألفاً من هذه الخنازير البرية. توقفت هذه المجزرة لأول مرة منذ قرن. يسكن الفرنسيون، كل في عزلة منزله دون أمل في الخروج وكأن على رأسهم الطير، ويحس الخنازير بالعكس لأول مرة بصمت البنادق والرصاص والأبواق ونباح الكلاب المسعورة وصهيل الجياد والطبول والزمامير والهرج والمرج الذي يواكب تقاليد الصيد عادة والذبح بالجملة. وشاعت في أوروبا صورة الدب الذي يقف على أطراف البلكون مبتهجاً شامتاً بعقاب الكورونا لسكان الكوكب.

ثم بلغت جحافل هذه الحيوانات الشاردة مشارف نيويورك المحيطية؛ تقتحم الوعول والغزلان لأول مرة الحرمة الحضرية لناطحات السحاب، لا أحد يجرؤ على الخروج أو الاقتراب منها، بل إن الهلع «الكوروني» صرف الذهن عن فحوى هذه الظاهرة الإيكولوجية التي تملك بعدها الانتقامي من الآلام التي سببها الجنس البشري الذي لا يطيق التعايش مع بقية الأجناس أو الكائنات. تتحرر جحافلها لأول مرة مع «قيامة الكورونا» من رعب الفتك البشري، تماما كما ترعى الأبقار وتثب أنواع القردة في معابد الهند.

لا يقع في ظن القارئ أن هذه الهجرة عفوية، بل إنها غريزية مغتبطة، فقد خرجت الصقور والطيور من مكامنها المنفية إلى مواقعها على أعمدة الكهرباء التي طردها منها زعيق الأوتوروت والمطارات، في كل مرة تنفق أجناسها من التلوث الصوتي حتى حدود الاندثار. استعادت حقها في تقاسم الفراغ مع الإنسان دون أدنى عنف أو أنياب أو مخالب شراسة هو شأن أنواعها في حدائق الحيوانات، تسعى للإفلات من أقفاصها بأي ثمن، حتى أن أحد وحيدي القرن (الخرتيت) عام على وجهه في شارع محيطي خطر قبل إعادة أسره في حدود غابة بولونيا في ظاهر باريس، الأغنام في الحدائق والمنتزهات، الماعز والغزلان في لندن، أسد الجبال في العاصمة التشيلية سانتياغو. علماً بأن بوادر هذا التحرر ابتدأت منذ عام بثورة البشر على المبالغة في تعذيب الحيوانات وفضائح المسالخ التي تذبح البقر والأحصنة والأغنام والخنازير دون تخدير. شهدنا في بعض المدن الفرنسية مهاجمة جماعات «الخضر» لدكاكين اللحامة وتلطيخ وجوه أصحابها بدماء المعروضات، وتحت هذا الضغط الشعبي جوبه الصيادون لأول مرة، وأغلقت حلقات السيرك بقوانين جديدة، وكذلك ساحات مصارعة الثيران. وتضاعفت عقوبات تعذيب الحيوانات الأليفة مثل الكلاب والقطط لتصل درجات من السجن. ولو عرضت مسرحية يونسكو «وحيد القرن» اليوم لاعترض الكثيرون عليها، في وقت ابتدأ تراجع استهلاك اللحوم 30% قبل عام، واقترب من الامتناع المطلق مع هجمة طاعون الكورونا.

تعلم العرب من الهنود الكثير ومنه الرفق بالحيوان، وليس أبلغ من مثال على ذلك من شيوع الحيوانات الحكيمة الرمزية المؤنسنة في كتاب بيدبا «كليلة ودمنة» الذي ترجمه ابن المقفع منذ القرن الثامن للميلاد، ثم تسرب بعد قرون إلى أوروبا عن طريق لافونتين وكتابه «الحيوان».

تمثل الإمبراطورية المغولية في القرن الخامس عشر هذا اللقاء الحضاري بين المسلمين والهنود، ونعثر على بصماتها التوليفية في ملحمة فريد الدين العطار «منطق الطير»، بل إن بلاط الإمبراطور حيدر دوغلات مصور المنمنمات ثبت رساموه مئتين وخمسين نوعاً من الطيور استخدمت في تصاوير هذه الملحمة ابتداء من الهدهد والطاووس وأغلبها مندثر اليوم.

هو ما يقودنا إلى «المحنة الإيكولوجية» من جديد، فالأحزاب المنحازة للطبيعة تؤكد أن أكبر مصائب البيئة الطبيعية في الكوكب اليوم هي اندثار أغلب أجناسه، وعدم توازن ما يعرف بـ«البيوديفرسيتي». قاد هذا التبشير وقرع أجراس الخطر إلى زيادة مساحات الطبيعة المحمية من السطات المدنية والحفاظ على الأجناس الحية الباقية، بمثاله الأول «دب الباندا» الذي احتكرت الصين الحفاظ على ما بقي منه. لعلّ تهور الإنسان وإذعانه لقوة المال تحت ذريعة التقدم التقني أدى إلى فوضى الطقس وارتفاع درجة حرارة الكوكب الأرضي وثقب الأوزون والتلوث والشعشعة الذرية، قادت هذه المصائب إلى تراجع عدد الأجناس الحية في الكوكب بمثالها الدب الأبيض في الأصقاع الجليدية. خلف كل منحوتة من العاج وكل قطعة من الفرو مأساة حيوانية مفجعة.

كورونا: طبيعي أم اصطناعي؟
إن نهوض الأجناس الباقية واقتحامها للعالم الحضري رمز الاستبداد والاحتكار الأحادي للإنسان لا ينفصل عن عقوبة فيروس الكورونا بدليل أنه لا يسبب ضرراً كبيراً للحيوان كما يفعل لدى الإنسان.
تطرح «المحنة الإيكولوجية» العامة سؤالاً حول أصل فيروس «الكورونا» أو تحديداً الكوفيد 19 وهل هو طبيعي أم صناعي؟

تدعي الرواية الصينية أن أصل الفيروس جاء من أسراب «الوطواط» التي يفترسها حيوان «البانغولان» النادر والجذاب، ويأكل الصينيون لحمه لذا كانوا أول المصابين. هو ما يفسر مبادرتهم الأولى بقتل جميع أعداده وحرقها في باطن الأرض، علماً بأن حساء الوطواط شائع لديهم، لذلك دعاه الرئيس الأميركي بـ«الفيروس الصيني» قبل فتكه بمئات الألوف من مواطنيه فتراجع وطلب نجدة الصين بالأقنعة وسواها. من المؤكد (لم يناقضه أحد بعد) أن مدينة ووهان (التي اشتعل فيها المرض لأول مرة) تشتمل على أكبر مختبر عن الحرب الجرثومية: يدعي الأميركان بأنه تسرب منها، ويدعى الصينيون بالمقابل بأن الأميركان دسّوه في المدينة أثناء عرض عسكري مشترك!
هو ما يقود إلى سؤال أشد خطورة: حول آلية انتشاره.. يؤكد العلماء في الشرق والغرب اليوم أن التيارات الهوائية الكبرى تحمله عبر القارات من آسيا إلى أميركا عبر أوروبا بدليل إصابة جنود البارجة الأميركية المعزولة في المحيط الهادي.

عود على بدء
تحضرني في هذا المقام قصة مبتسرة لفكتور هوجو، يستنطق فيها ضريراً (فقد بصره منذ ولادته)، يسأله عن معالم تعرفه وتلمّسه السمعي لما يتناهى إلى أذنيه من إشارات تفصيلية عن توالي الفصول الأربعة؟

يؤكد له الأعمى بأنه يكفي أن يصيخ السمع برهافة مدربة إلى كائنات الغابة ابتداءً من دبيب هوامها ورفيف أجنحة أنواع الفراش والحشرات، ثم الأصوات من عواء وصراخ ونباح ووعيد وتنبيه ما يصدر عن أنواعها من زواحف إلى ذئاب أو ثعالب وضباع وقرود وحفيف الأشجار والزهور والنحل وسواهم، إذ أن لكل فصل (وحتى لكل شهر) أنواعه الحيوانية الصوتية، وأجناسه الطبيعية بما فيه صوت الشفق والغروب والفجر والنسيم والرطوبة وعصف الطقس أو حرارته وبرودته الخ..

هو مثل إنسان القرن التاسع عشر لا زالت كائنات الأجناس الحية في الطبيعة تمثل بوصلة التوجه والسياق الزماني. بوصلة حسية فقدنا معرفيتها اليوم مع تدمير عناصر الطبيعة وتسخير أجناسها الحية إلى عبثية تخمة الاستثمار، على غرار فقداننا للثروة البحرية والبرية وإفقاد الطبيعة توازنها باندثار أغلب أجناسها الحية هي التي عادت اليوم لتمارس حقها في البقاء داخل مستعمرات بني آدم التي تُدعى مدناً معاصرة حلت محل الجبل والسهل والغابة والشلال والنهر.

كان الإنسان يدرك بالغريزة عدالة شراكة العيش مع الأجناس الحيوانية، فتجمعات النمل تساعد على التوازن الحراري مثلاً، والأحصنة تنذر بالهزات والزلازل قبل أيام من حصولها. وهكذا فقدت الطبيعة وكائناتها هذه الوظائف الكونية المتكاتفة مع تراكم الأخطاء الإيكولوجية التي اقترفها الإنسان، باعتبار الطبيعة مصدراً للاستثمار ومستودعاً لبقاياه الاستهلاكية، على غرار الاستخدام المفرط لرمال الشواطئ ورمي البلاستيك في المحيطات وهذا غيض من فيض والانتحار مستمر.
لا يمكن لإنسان الغد أن يعيش دون أقنعة وكمامات واقية، ليس فقط تحسباً من انتشار فصائل الكورونا، وإنما أيضاً من فساد وشعشعة البيئة وإقفارها من بقية الأجناس الحية. والغد يخفي أكثر من الحاضر. ولا شك في ظني أن طاعون فيروس كورونا (كوفيد 19) هو من صناعة صناع الحروب والأسلحة الذرية، فالطبيعة لا تنتج إلا ما يحافظ على توازنها حتى لو كان تدميرياً.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق