أخر الأخبار

قراصنة العصر: دول الغرب تسرق الكمامات وأجهزة التنفس من بعضها.. فهل سيحاكمهم القانون الدولي؟

شبكة القدس الإخبارية /وكالات:السطو لا يقتصر على العصابات والمجرمين، ذلك الدرس الذي سيخرج به العالم بعد انتهاء جائحة (كورونا)، التي أشعلت حرباً من نوع آخر بين كبرى الدول، عبر الاستيلاء على البواخر المحملة بالأدوات الطبية، كالكمامات والمعقمات، وأجهزة التنفس والألبسة الواقية الخاصة بمواجهة فيروس (كورونا).

حيث أعلن وزير التجارة في تونس، بوكالات محلية، عن سرقة إيطاليا باخرة شحن محملة بالكحول الطبي، كانت متجهة إلى تونس من الصين، وذكرت وسائل الإعلام الإيطالية، أن السلطات التشيكية، استولت على أقنعة واقية صينية مُرسلة إلى مستشفيات إيطاليا، وكشف موقع (شبيغل أونلاين) الألماني عن اختفاء ستة ملايين كمامة طبية في أحد مطارات كينيا، واستولت الولايات المتحدة الأمريكية على مئتي ألف كمّامة طبية خاصة بألمانيا، وفق ما ذكرته (بي بي سي) البريطانية.

مسلسل الاستيلاء لم يتوقف، فقد أعلن وزير الصحة الألماني ينس سبان، أن مشترين أميركيين استولوا على شحنات كمامات صينية الصنع، كانت موجهة لفرنسا عن طريق دفع الأموال، وفي السويد، اتهمت شركة مولنليك الطبية، السلطات الفرنسية بمصادرة ملايين الكمامات، والقفازات الطبية التي استوردت من الصين لصالح إيطاليا وإسبانيا، ولم تستطيع (أوكرانيا) شراء الكمامات من الصين، بسبب دفع روسيا وأمريكيا وفرنسا الأموال نقداً للشحنات.

فهل ستحاسب تلك الدول قانونياً، وفق القانون الدولي بعد انتهاء جائحة (كورونا)، وما تأثيرها على علاقة هذه الدول مستقبلاً؟.

ثغرات في القانون الدولي

قال القاضي فؤاد بكر: تعتبر ظاهرة القرصنة البحرية من أخطر الظواهر الإجرامية، التي تهدد مصالح المجتمع الدولي كله، وخصوصاً في زمن الأوبئة والأمراض المتفشية حول العالم، كما حصل مؤخراً في الوباء العالمي (كوفيد 19) الذي بات يهدد حركة التجارة العالمية، والإضرار بالملاحة البحرية العالمية، مهدداً السلامة الصحية، خصوصاً بعد مصادرة الأجهزة الطبية والأدوية والكمامات بسبب تفشي (كورونا).

وأردف خلال حديثه مع “دنيا الوطن”: قد تم تحويل الكمامات والمعدات الطبية المحولة إلى إيطاليا بعد أن كانت محولة من الصين إلى تونس، واستيلاء الولايات المتحدة الأميركية على 200 ألف كمامة، كانت محولة إلى ألمانيا، وسرقة الكمامات الموجهة إلى فرنسا، وتحويلها إلى الولايات المتحدة الأميركية.

وأكد أن هناك تشابهاً بنص المادة 15 من اتفاقية جنيف لأعالي البحار عام 1958 بشأن تعريف القرصنة، ونص المادة 101 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1982، إذ لم تأت أي من الاتفاقيتين، بتعريف محدد للقرصنة البحرية، واكتفت كلاهما بسرد الأعمال التي تُعد من قبيل القرصنة البحرية.

وأشار إلى أن تلك الأعمال صنفت على أنها من الأعمال غير المشروعة، التي ترتكب في أعالي البحار، وفي الأماكن التي لا تخضع لسيادة أي دولة، وبالتالي استبعدتا أعمال القرصنة التي ترتكب ضد السفن الموجودة في المياه الإقليمية للدولة على الرغم أن معظم أعمال القرصنة، تحصل في هذه المياه.

واستدرك بأن تعريف القرصنة البحرية في اتفاقيتي قمع الأعمال غير المشروعة الموجهة ضد سلامة الملاحة البحرية لعامي 1988 و2005 يتسم بالعمومية والشمول، حيث يشمل جميع صور الاعتداء، الذي يقوم به طاقم السفينة أو ركابها ضد السفينة ذاتها، وهذا على خلاف اتفاقية جنيف لأعالي البحار عام 1958 واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1982.

وأوضح، أن تعريف القرصنة البحرية الواردة في اتفاقيتي الأعمال غير المشروعة، الموجهة ضد سلامة الملاحة البحرية أوسع من الناحية المكانية، حيث لم تقيد القرصنة بمنطقة أعالي البحار، كما هو الحال في اتفاقية جنيف لعام 1958 واتفاقية الأمم المتحدة عام 1982.

وقال القاضي في المحكمة الدولية لتسوية المنازعات: رغم اختلاف الفقهاء حول تعريف القرصنة البحرية إلا أنهم متفقون على أن القرصنة البحرية، جريمة من جرائم القانون الجنائي الدولي، وقد استقر العرف والقضاء على اعتبارها عملاً محظوراً، ووفقاً لأحكام هذا القانون، يتوجب العقاب عند وقوعها.

وأردف: أنه من الممكن مواجهة الثغرات الموجودة في اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1982 فيما يتعلق بملاحقة القراصنة قضائياً باتفاقية سلامة الملاحة البحرية، المعروفة باتفاقية روما عام 1988، حيث تقوم جريمة القرصنة على ركنين أساسيين، وهما: المادي والمعنوي، ويضيف فقهاء القانون الجنائي الدولي، الركن الثالث، وهو الركن الدولي الذي يميز القرصنة عن غيرها من الجرائم الوطنية، ويضفي عليها صفة الجريمة الجنائية الدولية.

وقدم القاضي بكر بعض الاقتراحات لسد هذه الثغرات الموجودة في اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1982 فيما يتعلق بملاحقة القراصنة قضائياً، وكانت على النحو التالي:

1- ضرورة إعادة النظر في تعريف القرصنة البحرية الذي تضمنته المادة 101 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1982 بما يضمن توسيع نطاق الشروط والضوابط التي تطلبتها هذه المادة لقيام الجريمة، وبما يشملها السطو المسلح ضد السفن مع وضع تنظيم إجراءات لمكافحتها تماشياً مع القانون الجنائي الدولي، خصوصاً مبدأ احترام سيادة الدولة الساحلية وسلامتها الإقليمية، ونقترح أن يكون التعريف:

“ارتكاب أعمال غير مشروعة أو الاشتراك فيها، يكون من شأنها أن تعرض سلامة الملاحة البحرية للخطر، بواسطة سفينة أو طائرة على سفينة أخرى في أعالي البحار أو المياه الإقليمية للدول التي يرى مجلس الأمن أنها بحاجة لمساعدة المجتمع الدولي لمكافحة هذه الأعمال مع مراعاة حكم القانون الجنائي الدولي، وألا يكون مصرحاً لها من قبل دولة معينة، مما يعرض أمن وسلامة الملاحة البحرية للخطر”.

2- ضرورة تنفيذ الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1982 واتفاقية سلامة الملاحة البحرية عام 1988، ولكل التزاماتها بموجب هاتين الاتفاقيتين.

3- أن تقوم الدول التي لم تصادق بعد على اتفاقية السلامة البحرية بالتصديق عليها، لسد الثغرات في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1982، خصوصاً فيما يتعلق بملاحقة القراصنة قضائياً.

4- ضرورة أن تكون تدابير مكافحة القراصنة وغيرها من أعمال السطو المسلح ضد السفن تماشياً مع قواعد القانون الجنائي الدولي، وخصوصاً مبدأ احترام سيادة الدول الساحلية وسلامتها الإقليمية منسجمة مع القانون الدولي الإنساني.

5- ضرورة اتخاذ مجلس الأمن خطوات إيجابية لإنشاء محكمة دولية خاصة لمحاكمة القراصنة، لأن إجراءات محاكمة القراصنة أمام محاكم بعض الدول ذات الإمكانية المادية المحدودة لن تكون ذات أثر فعّال، نظراً لما تواجهه هذه المحاكمات من صعوبات يتعلق بعضها بالقانون واجب التطبيق أو إجراءات المحاكمة، وعدم توحيدها.

6- ضرورة اهتمام وسائل الإعلام بأعمال القرصنة البحرية والعمل على فضحها، ومحاولة خلق رأي عام ضد هذه الأعمال.

7- أهمية معالجة أسباب جريمة القرصنة البحرية، دون الاكتفاء بمكافحتها.

8- ضرورة أن يكون هناك جهد عربي عملي وفاعل لمكافحة القرصنة البحرية، وذلك من خلال عقد اتفاقيات وإرسال قوات بحرية ذات كفاءة عالية؛ للحد من القرصنة العربية.

وختم: تبقى المعاهدات الدولية الخاصة بالقرصنة، مجردة من قرصنة المستلزمات العالمية كمصادرة وقرصنة الأدوية والمعدات الطبية، جراء أي كارثة أصابت العالم أجمع، وليس بالضرورة أن تكون فقط طبية، بل أي منتج محتاج إليه العالم في وقت المحنة والصعوبات، لذلك ندعو إلى اتفاقية دولية جديدة لإدارة الأزمات العالمية، وعدم قرصنة أي منتج محتاج إليه العالم، خصوصاً إذا كان طبياً ومهدداً للحياة البشرية، وإلا اعتبر ذلك جريمة ضد الإنسانية.

لن تُسبب أزمة أو حرباً

وقال الكاتب والمحلل السياسي الأردني، حمادة فراعنة: العالم يعيش حالة حرب ضد عدو مخفي مشترك، وهو (كورونا)، لذلك كل طرف من هذا العالم، يحاول إنقاذ نفسه، وإنقاذ مواطنيه من الموت المحقق، الذي نشاهده في أوروبا والولايات المتحدة.

وأضاف فراعنة لـ”دنيا الوطن”: “لذلك لا أحد يستطيع الأن الوقوف لمحاسبة أي طرف، باستثناء المحاسبات الأخلاقية المعنوية، ويبدو أن كل طرف يتفهم سرقة الأطراف الأخرى لما حصل عليه من أدوات، ذلك أن العدو يداهم كل المواقع بدون أي موانع في الحدود القوميات والمذاهب والأديان، فهو عابر لكل القارات”.

واستبعد المحلل السياسي، أن تُسبب قرصنة الكمامات والأدوات الصحية، أزمة أو حرباً بين الدول التي سرقت أو سرق منها، سواء حالياً أو في وقت لاحق بعد انتهاء جائحة (كورونا).

وأكمل: السبب الجوهري لصمت الدول، أن المستقبل مازال غامضاً حول وقت ومواعيد انتهاء هذه الحرب، فلازال العالم في ذروة صراعه مع هذا الفيروس، ولم يتمكن بعد من حشد قدراته العلمية لمواجهة هذا العدو، ومازالت (كورونا) تجتاح الشعوب، وتطيح بأرواح البشر.

وأوضح أن الوقت مبكر لتقيم مواقف البلدان، عندما تنتهي جائحة (كورونا)، التي مازالت مفتوحة في ذروتها.

عصر ما قبل (كورونا) انتهى 

وفي ذات السياق، قال رياض العيلة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الأزهر: مارست حكومات دول كثيرة، ممن نعتبرهم دولاً ديمقراطية، وقدوة للمجتمعات الإنسانية، القرصنة على دول أخرى، حيث أظهرت حقيقتها، وذكرت العالم بالقرنين الرابع عشر والثالث عشر قديماً، وزمن قرصنة البحار.

وأشار العيلة خلال حديثه مع “دنيا الوطن” إلى أن هذه القرصنة التي مارستها دول كبيرة، تتحكم بالنظام السياسي والنظام العالمي، اقتصادياً وسياسياً، سينعكس بشكل سلبي على علاقة الدول ببعضها، وستنعكس بشكل إيجابي على الناس، بحيث كانت تلك الدول مغطاة لسنوات، وظهرت الآن حقيقتها، وبالتالي لابد من تغير هذا الواقع والنظام السياسي والعالمي.

وأوضح أن الدول، ستلتزم الصمت حالياً، وستستمر في التركيز على قضية (كورونا) والاهتمام بسلامة مواطنيها من خلال مواجهة الفيروس غير المرئي، متمماً، ” ستكتفي الدول بتسجيل أمور كثيرة فيما بينها، حتى تنتهي هذه الجائحة الموجودة، التي أثرت على دول العالم، وبينت أن تلك الحكومات مدعية للديمقراطية”.

واستطرد: الأمور لن تكون كما كانت قبل وجود وباء (كورونا)، ستختلف الأمور في النظام الدولي العام، ستظهر دول وتختفي دول، تخفي بقوتها على الساحة الدولية، الجائحة كشفت أسراراً كثيرة، العالم سيتغير على صعيد الاتحاد الأوروبي، وعلى صعيد سيطرة الإدارة الأمريكية، وظهور الصين كقوة باعت للعالم كمامات، وبعض الأجهزة بـ 30 مليار دولار لدول تدعي أنها قوية.

وشدد على أن عصر ما قبل (كورونا) سيختلف اختلافاً كلياً عن عصر ما بعد (كورونا)، وسيحدث انفكاك علاقات بين الكثير من الدول، لأنهم لم يجدوا التكتلات التي قد تخدمهم، بل وجدوا تكتلات عدوة لهم.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق