آفاق تطور النضال الجماهيري في السودان

استفادت قوى الثورة السودان ية وهي تدخل معاركها الحاسمة منذ قيام نظام جماعة الإخوان المسلمين في السودان من تجارب حركة التحرر الوطني العربية، وتجارب السودان في النضال منذ الحكم الشمولي والدكتاتوري، بايجابيات وسلبيات تلك الهبات والانتفاضات الشعبية، وكان لتجربتي أكتوبر 64 ضد نظام عبود، وأبريل 85 ضد نظام النميري، ووجودهما الواضح في مواجهات الجماهير مع نظام الحكم السوداني.

منذ انقلاب جماعة الإخوان المسلمين في عام 1989، إلى إزاحة النظام في 11 أبريل 2019، لم تهدأ شوارع المدن السودانية من المظاهرات والمواجهات بين الجماهير وقوات الأمن وميليشيات النظام الفاشي، ومن التراكم المستمر لخبرات الحراك الشعبي.. والتجارب المختلفة التي اختزنها شعبنا وحركته الثورية.. توصل الحزب الشيوعي إلى طرح أساليب نضالية نابعة من تجارب مختلفة، وتطوريها يأتي لتلافي أخطاء الماضي والاستفادة من الايجابيات.

بالطبع هذه النضالات كانت وما زالت تتم ضد نظام البرجوازية الطفيلية وما تبقى منه؛ العاملة وكيلة للرأسمالية العالمية، والتي استلمت السلطة عبر الانقلاب العسكري بديلاً للقوى التقليدية – حزب الأمة والاتحادي الديموقراطي – الذي تراجع نفوذها المادي والجماهيري. وتتدثر قوى الإسلام السياسي وتعمل تحت غطاء مدني (العسكر) أو ديني، وترمي إلى إقامة علاقة مشتركة بين الثيوقراطية والعلمانية ورأس المال العالمي.

الأزمة التي تعيشها البلاد هي نتاج سياسات السير في طريق التطور الرأسمالي، وتمت عملية الانصياع التام والوقوع في قبضة المعسكر الرأسمالي بدخول البنك الدولي وصندوق النقد الدولي كمشرفين دائمين على الاقتصاد السوداني.

أشارت دورة اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في يوليو 2018، إلى أن الظروف الموضوعية قد نضجت للتغيير والخلاص من النظام الدكتاتوري المعبر عن فئات البرجوازية الطفيلية المرتبطة بتنظيم الإخوان المسلمين الدولي.. وأكدت الدورة أن الصراع قد بدا واضحًا بين مشروعين.. وأن هذا الصراع لا زال مستمرًا حتى الآن، حيث يحاول المجتمع الدولي والإقليمي بقيادة الولايات المتحدة إجراء إصلاحات تقود إلى تسوية بين النظام ومجموعات من المعارضة التي تنسجم مصالحها مع بقايا النظام، بقصد توسيع قاعدة النظام الاجتماعية، مع الحفاظ على الطبيعة الطبقية للنظام في رأس المال العالمي، وكانت أول خطوة هي محاولة تصوير رأس النظام البشير وكأنه المسؤول الوحيد عن الأزمة الطاحنة، وتعني إزاحته الانتصار على النظام.

المشروع الآخر هو الذي طرحه الحزب الشيوعي وتبنته قوى المعارضة في الحرية والتغيير، وانعكس في إعلانها الذي وقعته المعارضة في يناير 2019، ذلك المشروع الذي سعى لبناء أوسع جبهة لإسقاط النظام وتصفيته واستعادة قومية أجهزة الدولة وإنهاء الدولة العميقة.

ورغم الانتصارات التي تمت في إزاحة رأس النظام، إلا أن التردد في صفوف المعارضة وقبول أجزاء منها ما طرحه المجتمع الدولي والإقليمي، أدى إلى الانتصار المُؤمن لمشروع الهبوط الناعم وإقامة شراكة بين المكون العسكري – الذي يمثل امتداد للنظام السابق – وحكومة مدنية تساندها قوى الحرية والتغير.

من الجانب الآخر، يستمر الحراك الجماهيري المتقد، الذي ينتج عنه النضالات المستمرة في شوارع العاصمة وغيرها من المدن، والتي تقودها لجان المقاومة الشعبية، والتي تطالب بالسلطة المدنية الكاملة، وتنفيذ كامل بنود إعلان الحرية والتغيير، ويأتي على رأس تلك المطالب اتباع سياسة اقتصادية جديدة؛ تنهي التبعية لراس المال العالمي، وتعميق الممارسة الديموقراطية عبر تفكيك وتصفية النظام البائد، وإقامة سلام شامل عادل وديمقراطي، يستند إلى التوزيع العادل للثروة والسطلة.

هذا النضال المستمر يستعيد رص صفوف قوى المعارضة الجذرية، بما يخدم تقدم الثورة ويستجيب لمطالب الجماهير الثائرة، وعليه فإن تواصل النضال بين الجماهير والتعلم منها وتعليمها وتعبئتها لترسيخ الديمقراطية والعدالة والسلم؛ يساعد في رص الصفوف وإعادة تكوينها، كما أن تنظيم وتعبئة ودعم جهود ودور العمال والزرَّاع ومشاركة المرأة والمهنيين والطلاب المستقلة عبر منابرهم الديمقراطية، يساعد في حماية مكاسب الجماهير، وهزيمة مخططات الثورة المضادة.

في هذا الإطار تلعب لجان المقاومة – في ظل غياب التحالفات الاستراتجية – في أماكن السكن والعمل والدراسة الدور الأساسي في الصراع السياسي، فهي ذات فعالية ومصداقية وجدوى في تطوير النضال الجماعي على مستوى القاعدة، وتحتاج منا للدعم والتأهيل، حتى تتحول بالكامل للمنبر، الذي من خلاله يمكن تعميق الصراع من أجل سلطة وطنية وديمقراطية.

إن الأشهر التي مرت من 19 ديسمبر 2020، كانت أشهر مليئة بالتضحيات ونكران الذات، بالنضال الصبور والدؤوب، وقد كللت بالانتصار المحدود الذي حدث. لقد شاركت جماهير غفيرة في الحراك الجماهيري السياسي، الذي انتظم في البلاد من أقصاها إلى أقصاها في مدنها وريفها، لكن من المهم أن يتم تقييم الفترة السابقة، وهذا ما نقوم به في الحزب الشيوعي؛ لتحديد آفاق تطور الحراك الثوري ومرتكزاته ومتطلباته.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن حتمية أن تظهر بعض هذه الاختلافات في الرؤى والمصالح بين قوى المعارضة؛ لأن بعض تلك القوى قد لا تدرك أو تقبل حقيقة التلازم الضروري بين التغيير السياسي العميق والثورة الاجتماعية والاقتصادية.. وما توصلنا إليه حتى الآن، أي مسألة السلطة؛ فالتغيير السياسي قد يشهد تراجعاً بفضل طبيعة الصراعات والتناقضات وطريقة حلها. فالتناقض الناشئ الآن ما بين قوى الثورة السياسية والاجتماعية والمدافعين عنها، وبين من ارتضوا التغيير الفوقي والمتحالفين معهم، من بقايا النظام والطغمة العسكرية محلياً وإقليمياً ودولياً، التقييد الاجتماعي والمتحالفين منهم مع بقايا النظام العسكري محليًا وإقليميًا ودوليًا.. والاعتراف بذلك واتخاذ الخطوات المناسبة في التحالفات، سيساعد في استمرار الثورة، وفتح الطريق للوصول إلى أهدافها.

إن أهداف وشعارات أي تغيير جذري لن يتم تحقيقها، إلا بعد نضال طويل ومسيرة ثورية معقدة ومتعددة المتعرجات والطرق.. وقد تمتد لفترة وفترات طاول، تتخللها منجزات واهتزازات.. تقدم وتراجع.. وتغيير في صفوف ومواقف ومواقع من شاركوا بهذا القدر أو ذاك.. هذه دروس مهمة.. حيث تمر بلادنا في مرحلة انتقالية صعبة؛ مرحلة تواجه فيها مهام يندمج فيها الوطني متمثلًا بتصفية مخلفات الدكتاتورية، وبالديموقراطي ممثلًا باستكمال عملية البناء التي يجب أن تقود إلى بناء دولة مدنية وديموقراطية عصرية، ودستور يتفق عليه غالبية أهل السودان؛ ولذا فالدعوة مفتوحة لاصطفاف جديد، هي في الأصل دعوة إلى تصحيح مسار الثورة وإعلاء رايتها وتحقيق أهدافها.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق