المُجتَمَع الفلسطيني في الداخِل: عَن جَدَلِيَّة العُنف والعُنف الثَوري

منَ الطَبيعي أن يَبحَث الإنسان/المواطن عن أمنِهِ الشَخصي وعَن الأمان في بيئِتِهِ التي يَعيش فيها، وأن يَتوَخَّى ذلك من الأجهزة المَعنِيّة، هذا في المُجتَمعات الطَبيعية، وَبالتأكيد هذا أبدًا لا يَمكِن أن يَحصَل في المَجتمَعات الواقِعَة تحتَ الاحتلال، بوجود أجهزَة أمنيَة تَستَمِّد كل نهجها وَمنهَجِيَّتها من العَقيدَة الأمنية المُرتَبطَة بالعقلية السياسية الاستعمارية وَبعِلمها بأنَّ مُحيطها هو “عِدائي” وذلك لِمعرِفتها بحقيقَة وجودها وكيانها ودورها الوظيفي، وَبالمُقابِل أيضًا هُناك المُجتَمع المَعني الواقِع تحتَ الاستعمار والذي يرى بأمّ عينِهِ ويعيش على جلدِهِ حقيقَة هذه السياسَة الإقتلاعية التي تَهدِف إلى تَفكيك المُجتَمع وتركهِ ينزف مدى الحَياة لِيبقى غير قادِر على الالتفات إلى القَضايا الوطنية وفي مُقَدِّمتها الحُرّية والتَحَرُّر من نير الإستعمار.

وفي حالَتنا: نحنُ الفلسطينيون في الداخِل المُحتل، المواطنون في دَولةِ الاستعمار “إسرائيل”، هل يُمكن أن نَبحث عن الأمان والأمن الشَخصي من قِبَل أجهِزة الأمن الصَهيونية؟ هذه الأجهزة التي تُشارِك يَوميًا في قتل أبناءِ شعبنا في كل مكان، والتي تُمارِس كُل أشكال الترهيب علينا نحنُ “المواطنون” في الدَولَة، من قتل وسهولَة الضغط على الزناد وإطلاق النار على أبناءِنا في مُختلف القَضايا وليس بالضَرورَة قَضايا ذات طابع سياسي وطني، ليسَ فقط في المظاهرات وإنَّما في مُخالفات السير والسَرِقَة والإشتباه بأنَّك عربي وبالطبع هذا يعني أنَّكَ مشروع “إرهابي” وقنبلَة موقوتَة وغيرهِ من الأمثلَة العديدَة التي حَصَلت في العلاقَة بينَ الأجهزَة الأمنيَة وخاصّة الشُرطَة و”المواطنين” العرب.

انتَشَرت الجَريمَة المنُظمة في التَجَمُّعات الصَهيونية الاستعمارية وأصبَحت هذه الظاهرَة تُشَكِّل خَطر حَقيقي على أمن هذه التجَمُّعات، الأمن الشَحصي والجَماعي، وفقَط حينَها تَحرَّكَ الأمن الصَهيوني بِشَكل مُكَثَّف لإنهاء هذه الظاهرَة أو الحَدّ من انتشارها وَتأثيرها في محيط التجمُع الصَهيوني، وفعلًا كان هناك إنجاز بهذا الصَدَد، تَمَّ تخفيف الظاهرَة وإخراجِها من بَعض المُدن والتجمعات الصَهيونية مثل نهاريا ونتانيا وغيرها، وعلى هذه النتائِج بَنى بَعض “القيادات” العربية أملهم في التَعويل على دور الشُرطَة في مُحارَبَة الجريمَة المُنظمة التي باتَت تُسَيّطِر على نَمَط الحَياة في المُجتَمع الفلسطيني داخِل دولَة “إسرائيل”، من المُهم هُنا الإشارَة إلى أنَّ كثير من رجال العِصابات في المُجتمع الفلسطيني في الداخل هُم من جنود العِصابات الصَهيونية، ومن قرائَتنا لِصَيرورَة دُخول هذه العِصابات إلى المُجتمع الفلسطيني نرى كيفَ تَمَّ تَدوير الحَالَة من التَجَمُّع الصَهيوني إلى المُجتمع الفلسطيني.

ليسَ هُناكَ شَكّ بِأنَّ مُعظَم قِيادات الأحزاب العربية تُريد أن تَتَخَلَّص من آفَة العُنف، ولكن يبقى السُؤال: كيفَ تنظر هذه القيادات إلى الصِراع العام؟ وكيفَ تَنظُر إلى الحَل والحُلول؟ ليسَ خافِيًا على أحَد بأنَّ جُلَّ إهتِمام قيادات الأحزاب وخاصّة أعضاء الكنيست العرب ورؤساء البلديات والسُلطات المَحلية العربية مُنصَب على الميزانيات، بعضَهم يرى في هذه “الحرب” على الميزانيات أو الحرب الكلامية مع أقطاب السلطة الصَهيونية الاستعمارية هي معركتهم من أجل ضمان بقاءِهم وتسويقهم وحتى تذويت الإندماج، إذ أنَّ هناك عَدَد منهم عن قناعَة تامّة يؤدي هذا الدَور في إطار دورِهِ السياسي في الأسرَلة والدفاع عن المواطنَة كَأمر طبيعي أتى في سياق أصبَح طبيعي وجبَ أن نتعايش معهُ، ومن هُنا أصبَحَت الحَرب المُعلَنة على الجريمَة المُنظّمَة مَدخَلًا لاستدخال شَرعَنة مراكز الشُرطَة وتبرير التجَنُّد في سلك الأجهزة الأمنية الصَهيونية المُختلفة، وهكذا تَمَّ حَرف الغَضب الشَعبي باتجاه الميزانيات والحكومَة كَطَرف مُقَصِّر وليسَ كجسم داعِم وشريك وَفَعال في انتشار الجَريمة المُنظمَة داخل المجتمع الفلسطيني/ وكذا ليسَ بإتجاه الإحتلال المسؤول الأوّل عن الحالَة الإجتماعية والإقتصادِية كبيئة حاضنَة لِلعُنف.

ذَكرنا ساَبقًا –في الجزئين السابقين تحت ذات العنوان اللذين نشرا في عددين سابقين من مجلة الهدف- ونُعيد التَذكير بِأنّهَ في حالَة الاستعمار تكون مُهِمَّة مُحارَبَة العُنف والجريمة المُنَظَّمة من مَهام الحركَة الوطنية، وهي صاحَبَة المَصلحَة الأولى والكبرى في مَنع وجود هذه الظاهرَة كونَها في أساسِها تَخدِم سُلطَة وسياسَة الاستعمار، هذا حصلَ في كل الثَورات وفي مُختَلف البلدان، وفي حالَتنا نحنُ الفلسطينيون في الداخِل المُحتَل لا حَركَة وطنيَّة مُتماسِكَة وقويّة وفي الحراك السياسي هُناك صِراع بينَ القوى السياسية المُختلفَة، على صَعيد قطر ي ومحلي لهُ علاقَة أولًا بإستعراض القوى وهذا دفعَ على مَدار عقود إلى غِياب النقاش الحقيقي وتسلُّح هذه الأحزاب بالعائِلية والطائِفية والإستناد عليها انتخابيًا (انتخابات الكنيست والبلديات)، مما ضربَ قيمَة العَمل الحزبي الحقيقي، وهذا بالمُناسَبَة يَدفع ثمنَهُ المُجتمع الفلسطيني، وَكذا الأحزاب ذاتها، ولا يَغُرَّنَ أحَد وجود القائِمَة المُشتَركَة للانتخابات للكنيست الصَهيوني، ففي داخِلها يَعتَمر صِراع مَصالح وسينفَجر في وقتٍ ما وسَنَدفَع ثمنَهُ كَمُجتَمع فلسطيني.

في يَوم مَسيرَة السَيارات المُتَّجهَة إلى مَدينَة القُدس المُحتَلّة في تظاهرَة كبيرَة ضد العُنف والجريمَة المُنظمة وذلك يوم الأحد السادس من أيار من العام الماضي، اجتَمع رؤساء أعضاء الكنيست العرب مع وزير الشرطة وقادة هذا الجهاز المسؤول الأوَّل عن أعمال القتل بحق شَبابِنا في الداخل المُحتَل تحديدًا، وقَد صَرَّح رئيس القائِمة المُشتركة السيد أيمن عودة بقولهِ: “سَنُطالِب الشُرطَة بأخذ مسؤولياتها في مُحاربَة الجريمة والكشف عن السِلباح غير المُرَخَّص”، وهي ليست المرَّة الأولى التي يتحدَّث فيها عودة وغيرهِ من أعضاء الكنيست العرب عن السلاح غير المُرَخَّص على اعتبار أنَّ السِلاح المُرَخَّص من قبل الشرطة والشاباك هو سلاح نظيف، فهذا التمييز مقصود وهو محاولَة للابتعاد عن نقد السلاح بأيدي رجال الشُرطة والجيش العرب الخادِمين في الأجهزة الأمنية الصُهيونية، هذا عَدا عن السِلاح بأيدي العُملاء والجَواسيس من أبناء الداخل أو من العُملاء الهاربين من قطاع غزة والضفة. في ذلكَ الاجتماع، والذي من المُفتَرض أن يُقاطَع بعدَ تصريحات الوزير الصَهيوني “أردان” والذي قال: “إنَّ المُجتمع العربي عنيف جدًا وأنَّ الأمر مُرتَبط بالثَقافَة”، وأضافَ هذا الوزير “إنَّ الأم العربية تُعطي لابنها الإذن بقتل شقيقته لأنَّها تخرج مع شاب لا يُعجب العائِلَة”، واكتفى أقطاب القائِمَة المُشتركة من أعضاء الكنيست بتبريرات أردان هذا ومنهم أيمن عودة وأحمد طيبي، وبحسب موقع “واينت” قال الطيبي تعقيبًا على توضيح الوزير الصهيوني: “إنَّ القائِمَة المُشتَركَة لاحَظت أنَّ تَصريحات إردان في الليلة الماضِيَة كانَت بِمثابَة توضيح مُهِم، عندما قالَ إنَّهُ لَم يقصِد أن جميع السكان العرب يلجَأون إلى العُنف، وإنَّما أجزاء صَغيرَة فقط، في حين أنّ الغالبية العُظمى من الجمهور تحترم القانون”.. وَكانَ من مُخرجات هذا الاجتماع بينَ قادَة المُشتركَة ووزير الشُرطة الصهيوني “غلعاد اردان” توفير ملاكات لحوالي 600 في مراكز الشُرطة الموجودَة في القرى والمدن العربية، ملاكات لِمُحَقِّقين ورجال شُرطَة عرب هذا عدا عن الميزانِيات التي تُرصَد للبلديات العربية وتحديدًا لمراكز الشُرطة فيها أو لمشاريع أخرى لها علاقَة بمُحاربَة العنف.

لقد سعت القيادَة الكنيستية للجماهير الفلسطينية إلى تحويل النضال ضد العنف من نضال ضد الاحتلال إلى نضال في سياق مدني مُنعزل عن الحركة الوطنية الفلسطينية وما حصل في البلاد على مدار الاثنين وسبعين عامًا الماضية، نضال “المواطنين في دولتهم”، هذا دَورَهُم ومشروعهم وسقفَهم الذي لن يجرؤا على تجاوزَهُ وليسَ صُدفَة استبعاد رئيس لجنَة المُتابَعة من هذه اللقاءات، وإن كانَ عضو كنيست سابق، لكنَّهُ يحمل اليَوم رأيًا مُغايرًا على الأقَل في هذه الجُزئِيَّة من دور الشُرطة في الجريمة أو مُحارَبتها.

ففي لقاء للسيد محمد بركة رئيس لجنة المُتابعة العُليا للصَحفية سُهى عَراف في إطار تَقرير على حلقات طويلة عن العنف والجريمة المُنظَمة أعدَّتهَ عَراف لموقع “سيحاه مكوميت” باللغة العبرية، وهو مُترجم من قبل السيد سليم سلامة (وأنصَح بقراءتهِ ومراجعتهِ لما يحويه من معلومات ومقابلات وتفاصيل مُرعِبة عن الجريمة المُنظمة في المجتمع الفلسطيني في الداخل المُحتل)، يقول بركة: “أنا ضد إقامَة مَحطات للشُرطَة”، ويوَضّح “لأنَّ هدَفها هو ليسَ الحِفاظ على الأمن حقًا، أنظري أم الفحم مثلًا: أقاموا محطة للشُرطَة هُناك وَلَم يَقِلّ العُنف والإجرام، كُنا في لقاء مع الشُرطَة قبلَ بضعَة أسابيع لكن حكروش (النقيب جمال حكروش النَقيب العربي الأوَّل فيشرطة “إسرائيل” والذي كُلّفَ برئاسة مُديرية تحسين الخدمات للعرب س . ع) لم يكن حاضِرًا، سَألت عن السَبب فَأجابوا بِصَراحَة، بأنَّ مُهِمّتهُ ووظيفَتهُ ليس مُحارَبَة العُنف، وإنَّما إقامَة محطات للشُرطَة وتجنيد مُسلمين للإنخراط في سلك الشُرطَة، الهدف من هذه المحطات (مراكز الشرطة) هو تجنيد أبناءنا وبناتنا لقوات الأمن وللخدمة القومية المدنية”، إلى هنا ينتهي الاقتباس.

الأمن الشَخصي مَفقود ولَعبت أجهزة الأمن دورًا أساسيًا في ذلك، وهذا كانَ سَبَبًا للجوء الكثيرين إلى عِصابات الإجرام أو الخُضوع لهم، المواجَهَة تحتاج أولًا إلى رؤية واضِحَة لِمَعالِم الصِراع، نحنُ لا نملُك السِلاح، ولكن نملُك قوتنا لو اتحَدنا، العمل على بناء المؤسَّسات الوطنية والعمل على تكثيف العمل الوطني والوعي والحراك الثقافي وبناء لجان محلية غير مرتبطة بالمؤسّسة الصهيونية لتسهر على أمن البلد وتوفير الأمان للناس، السُلطات المحلية تملك مَفاتيح في هذه المُعادلة ولكنَّها للأسف في مُعظَمها تبتعد عن دورها المطلوب، فَأقسام الرفاه والشؤون الاجتماعية والتربية والتعليم والرياضة، هي مدماك أساسي ومركزي في دور السلطة المحلية في مُحارَبة العُنف في المجتمع الفلسطيني.

ونُنهي هنا بمقطع من لقاء مع ضابط شرطة عربي خدمَ 28 عام في سلك الشرطة الصهيونية، وفي مراكز مُختلفة، إذ يقول الضابِط المُتقاعد نبيل ظاهِر للصحفية سهى عَراف: “إنَّ مَحَطّات الشُرطة في القرى العربية هي مجرد زينَة، أقمنا محطات للشُرطة لكن العُنف يَزداد، لو سُئِلت لأوصَيت بِعَدم تقديم شكاوى إلى الشُرطة اليوم، بل التَوَجّه إلى أقسام الخدمات الاجتماعية أو إلى لجان الصُلح وإنهاء قضايا الخلافات أو النزاعات، الشُرطَة هي مجرد ديكور، تعمل في إطفاء الحرائِق فقط”.

ما لَم يبني المُجتمع الفلسطيني مؤسَّساتهِ على قاعِدة الخُصوصية ويتلاحم في نضالِه مع قضية شعبهِ المركزية ويعيد الإعتبار للنضال الوطني ومنه وعلى قاعدته يَشتَق المَطلبي الحَياتي اليَومي فلن يستطيع فعلا أن يواجِه الجريمة والعنف، وإنَّما سيبقى يُطفئ الحرائِق وسنصل إلى مرحلَة ستطال هذه الحرائق كل مكونات مجتمعنا، أو قل قد وصلنا مثل هذه المرحلة.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق