كورنا في مواجهة العقل التجزيئي.. المحرقة والقنديل

أمام التحدي الكبير الذي فرضه فايروس كورونا على العقل العربي الإسلامي، نجد أن الأيديولوجيات والرؤى السياسية قد وقعت في فخ التجزيء، فهي من جهة لم تحصل على القدر الكافي من الفهم المعمق لطبيعة الفايروس وقدرته السريعة على الفتك بالبشرية جمعاء، ومن جهة أخرى حاولت تلك الأيديولوجيات توظيف الحدث “الكارثة” خدمة لمورثات ثقافية عاجزة عن مواكبة التحديات الثقافية والعلمية، هذا التوظيف سرعان ما تكسر على صخرة تفشي المرض في مختلف بقاع الأرض.

فمع بداية حديث الإعلام عن وجود فايروس كورونا وتفشيه في الصين، أخذت تلك الأيديولوجيات فرصتها في محاولة هذا التوظيف، فمنها من حاول أن يشمت في الصين باعتبارها العدو الأول للإسلام والمسلمين، في حين ذهبت تصورات أخرى نحو نظرية المؤامرة الأمريكية والتي اعتبرت الفايروس مجرد سلاح بيولوجي موجه نحو الصين لوقف نموها الاقتصادي، ومع انتقال عدوى الفايروس من قارة الى أخرى ومن دولة إلى أخرى وإعلان حالات الطوارئ القصوى في مختلف البلدان التي غزاها الفايروس، تراجعت تلك الأيديولوجيات وانحسرت في عزلتها، تفتش عن حلول تجزيئية لأزمتها ولكن بصوت خافت هذه المرة.

والسؤال الذي يستدعي نفسه في هذا الموقف، كيف سمح هذا العقل وتلك الأيديولوجيات المعجونة بالتخشب والانغلاق، على إصدار أحكام كلية مطبقة، ونتائج لا يصدقها العقل أولاً، وتكذبها الوقائع اليومية؟ وكيف أدخل هذا العقل التعامل مع وباء معدي انطلاقاً من تصورات غيبية مشكوك في صحتها؟

والإجابة على السؤال تفتح الباب على مروحة من التكهنات والتصورات التي تحاول تجاوز تلك الأيديولوجيات المتخشبة، فقد أصاب الفايروس هذا العقل قبل إصابته للبدن، فالشامت بأمة أصابها الوباء هو وبالضرورة لا يملك حساً إنسانياً، والذاهب إلى وضع المؤامرة نصب عينيه، لا يقدم سوى محاولة للهروب من استحضار الإرث الإنساني العالمي، في مواجهة النكبات العالمية.

نعم، لقد سقطت تلك الأيديولوجيات في امتحان الفايروس، وأصبحت عارية أمام نفسها متجردة من كل منطوق إنساني منطقي قادر على تقديم مقاربات معقولة ومستوعبة منطقياً. إن استحضار تلك الأيديولوجيات في وتعاملها مع أزمة هذا الفايروس اللعين، ومن منطلق تلك المقاربات، أوقع صاحبها في امتحان من الصعب أن يخرج منه دون خسائر كبرى، قد تؤدي به وبنظرياته إلى الاضمحلال والزوال.

وهنا لا يمكن نفي وجود تداعيات كبرى على صعيد الأيديولوجيات والتصورات الإنسانية برمتها، مع الاعتراف أن تلك التداعيات جاءت كرد فعل طبيعي وحتمي على مقدرة العدوى وتفشيها، فالعولمة وكل مقولاتها الكبرى قد سقطت اليوم، فإغلاق الحدود الوطنية لكل دولة على حدة، وإعلان حالة الطوارئ العامة، وسريان قوانين تتعارض فعلياً مع قوانين الحرية الشخصية، وفرض الرقابة الأمنية على الأشخاص المشتبه بحملهم لهذا الوباء، كلها تصب في خانة واحدة، وهي أن القرية الكونية الموعودة سرعان ما انقسمت إلى أحياء وأزقة وبيوت، بل وغرف منفصلة داخل تلك البيوت. وأمام هذا السقوط المدوي للعولمة الغربية، بفعل انكشافها وتعريها أمام هذا المأزق غير المسبوق، يلاحظ أن الاقتصاد الدولي برمته يحاول أن يختبئ خلف تداعيات كورونا، ليغطي على وصوله للحائط المسدود.

أما العقل العربي الإسلامي فما زال حتى هذه اللحظة يعيش حالته الانتهازية، دون أن يبذل أي مجهود فعلي للتموضع على مسرح التاريخ كأمة فاعلة لها كلمتها في هذا المضمار، فها هي الحكومات العربية والإسلامية تتلفت يميناً ويساراً تحاول تقليد الغرب الغارق في قعر كورونا المرض وكورونا القيم وكورونا المعرفة، في مسعى للوصول إلى شاطئ الأمان. هذه الانتهازية الذهنية مردها عدم الدخول في تفاصيل الواقع وتحدياته، وبالتالي عدم دفع ما يلزم من جهد حقيقي من أجل كسب حقيقي، فـ”ضرب الظالمين بالظالمين وإخراجنا من بينهم سالمين”، لن تمر أمام هذا الوحش الكاسر، الذي لا يعرف التفريق بين أمة وأخرى وبين دين وآخر، وبالتالي سقطت تلك المقولات الكارثية والمرضية، والتي عايشها هذا العقل طوال قرون ولم يخرج منها حتى هذه اللحظة.

لقد فعل كورونا فعله وتخطى قدرته على نقل العدوى، ووصل إلى حدود وأسقف كانت حتى وقت قريب من المقدسات الدينية السماوية والوضعية أيضاً.

كورونا فلسطين وكورونا دولة الاحتلال

مع وصول العدوى إلى فلسطين ودولة الاحتلال، وقيام السلطة الفلسطينية ودولة الاحتلال بإرساء منظومتين مختلفتين في التعامل مع هذا التحدي الصحي، لا بد من الأخذ بعين الاعتبار أن السلطة ومنذ اليوم الأول قد سارعت إلى سلسلة من الإجراءات الفعلية لمواجهة المرض ومحاولة السيطرة عليه، وقد سبقت الدول العربية والإسلامية بأسبوعين بإعلان حالة الطوارئ، ومن ضمن الممكن والمتاح للسلطة استطاعت حتى هذه اللحظة التعامل مع هذا التحدي وحالت دون تحوله إلى حالة التفشي، وأبقته في نطاقه الأول وهو مدينة بيت لحم، مع العلم أن السلطة لا تملك مقومات الدولة، فلا حدود جغرافية فعلية ولا سيادة حقيقية تجعلها قادرة على تفعيل كامل قوتها في تلك المواجهة المفتوحة مع الفايروس، إلا أنها وحتى هذه اللحظة أبدت انضباطية عالية، في حين حاولت سلطات الاحتلال ومنذ اليوم الأول وعبر صحافتها ومسؤوليها السياسيين والأمنيين إبداء التخوف من المناطق السكنية الفلسطينية، باعتبارها نقطة انطلاق لتفشي الوباء داخل تجمعاتهم السكنية، لكن الوقائع والأرقام كذبت كل تلك المقولات وجعلت دولة الاحتلال أمام تحد فعلي غير مسبوق، فهذا المرض غير معادي للسامية، بل معاد للإنسانية برمتها، و”شعب الله المختار” يمرض أيضاً ويتألم ويموت، كغيره من الشعوب الأخرى التي تواجه هذا المرض، دون خصوصية يهودية صهيونية، وعلى الرغم من تلك الوقائع الثابتة، إلا أن العقل السياسي لدولة الاحتلال ما زال حتى هذه اللحظة غير قادر على اجتراح حلول لهذا العدو غير المرئي. فالحلول العملية التي يراها هذا العقل ستكلف دولة الاحتلال خسائر اقتصادية كبرى قد تطيح ببنية الاقتصاد لديهم، فرئيس حكومة تصريف الأعمال بنيامين نتنياهو يعلم أن الذهاب بعيداً في تفعيل تلك الإجراءات سيؤدي حتماً إلى الإطاحة ببنية هذا الاقتصاد الإنتاجي، وبالتالي انحدار مستوى المعيشة إلى أدنى المستويات ما سيقود بالضرورة إلى أضرار تطال مختلف البنى الأخرى، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية التي ستنكب مادياً وبشرياً ومعنوياً، فهي حتى هذه اللحظة عاجزة أمام هذا العدو، وهي غير مهيأة على فعل المواجهة، فقبتها الحديدية ومقلاع داود ومنظومة حيتس، عاجزة كلياً عن رصد كورونا ومواجهته وإسقاطه، وأما صفقة القرن ومواعيدها وأجنداتها والمنخرطين فيها من كل القوى الدولية والإقليمية والمحلية خدمة لدولة الاحتلال، فقد باتوا ليلتهم ولياليهم القادمة في الحجر الصحي والفكري ممتلئين بفايروس كورونا، الذي نكب “مودعيين” وحولها إلى رماد.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق