استخلاصات من فكر جرامشي السياسي

تقف الماركسية على النقيض من الجمود والتقديس، وتذهب لمزيد من الدينامية ومرشدًا للعمل. أي تعتبر منهجًا للتحليل وقراءة الواقع ومحفزًا ودليلًا لتغييره، وهذا ما فهمه انطونيو جرامشي وعبر عنه في خضم مسيرته الفكرية والنضالية.

قدم جرامشي رؤيته الجديدة التي تلازمت مع واقعه وتجربته النضالية، حيث اعتبر أن الماركسية تحمل في ثناياها منطق تجددها الدائم، وهذا ما أشار إليه انجلز في مقدمته للجزء الثالث من كتاب رأس المال: (إن إدراك الأشياء وعلاقاتها المتبادلة، كأشياء متغيرة وليست ثوابت مكتملة، يعني أن تصوراتها الذهنية أي الأفكار المعدة عنها خاضعة هي الاخرى للتغيير والتحول، وليست مختزلة ومركزة في تعريفات جامدة، وانها تتطور خلال تشكلها التاريخي أو المنطقي).

نفترض أن في ما قدمه جرامشي من فكر سياسي دعوة للتعامل مع الماركسية كمنهج للتحليل ومرشد للعمل والتغيير وليست وصفات مقدسة لا تحتمل المناقشة.

عكف جرامشي على دراسة الواقع الايطالي بعمق مسترشداً بالماركسية كمنهج للتحليل وكنقطة انطلاق لتحقيق التغيير المرجو في المجتمع الايطالي، وهذا ما مكنه من الوصول إلى استنتاجات أغنت كثيراً الفكر الماركسي، ومنها مفهومه عن الهيمنة والكتلة التاريخية ودور المثقف.

قدم مساهمته الفكرية خلال فترة حياته التي امتدت منذ 1891 وحتى 1937، خاض خلالها اشتباك وصراع طويل ثقافي داخل الحزب الشيوعي الايطالي إبان الحكم الفاشي؛ فحارب الأفكار والممارسات التي نادت بابتعاد الحزب الشيوعي عن الأحزاب والحركات السياسية الأخرى تجنًبا من تسلل الأفكار الإصلاحية البرجوازية إلى صفوفه. ونجح رغم صعوبات تلك المرحلة في بلورة مفاهيمه حول الحزب الثوري التي ركز فيها على العلاقة بين الحزب والطبقة العاملة ومبادئ تنظيم الحزب الثوري وبشكل رئيسي موضوع المركزية الديمقراطية والتحذير من أخطار المركزية البيروقراطية.

ومن ابرز ركائز فكر جرامشي السياسي هي الوحدة التي اعتبرها من أهم الآليات التي تمكّن الطبقة العاملة من بسط هيمنتها على النظام السياسي. كما قدم جرامشي تصوره حول القومي والأممي ولخص ذلك من خلال مقولته (… بكل تأكيد أن مسار التطورات هو دائمًا في اتجاه الأممية، ولكن نقطة البدء والانطلاق هي القومية…). وهناك نقطة بدء أخرى في فكر جرامشي السياسي تتعلق بمفهومه عن الهيمنة، التي تختلف جذريًا عن مفهومها التقليدي المرتبط بالسيطرة والإكراه، فقد اعتبر جرامشي أن الهيمنه تأتي في إطار الموافقة والقبول باستخدام وسائل وقيادة سياسية وأيديولوجية باعتبار الهيمنة تنظيم للقبول والموافقة.

لينين والكثير من المفكرين الماركسيين كانوا يرون أن الهيمنة يجب أن تتحقق عند استلام الطبقة العاملة وممثليها لزمام الحكم بعد كسبهم تأييد الغالبية العظمى من الناس، لكن جرامشي يقول: (بوسع أية فئة اجتماعية ممارسة الهيمنة قبل الفوز بالسلطة الحكومية، بل يجب عليها ممارستها كي تفوز بالسلطة، وحتى بعد استلامها للسلطة يجب أن تستمر في ممارسة الهيمنة)، وبذلك يحوّل جرامشي الهيمنة من استراتيجية الى مفهوم. فالهيمنة بالنسبة لجرامشي هي علاقة بين الطبقات والقوى الاجتماعية الأخرى، تكون الطبقة العاملة هي المهيمنة من خلال موافقة الطبقات والقوى الاجتماعية الأخرى، وذلك عبر صراع سياسي وأيديولوجي، بالإضافة إلى بناء علاقات تأخذ بعين الاعتبار مصالح الطبقات والقوى الاجتماعية الأخرى، والعمل على جمع مصالح الطبقة المهيمنة (العاملة) ومصالح تلك القوى والطبقات، بذلك تصبح العلاقة بين الطبقة العاملة وطبقة رأس المال ليست علاقة معارضة فقط، بل تشمل طبقات وقوى اجتماعية أخرى يسعى كل طرف إلى تعزيز نمط تحالفاته الخاص بما يربك تحالفات الطرف الآخر وتحويل ميزان القوى لصالحه، وبذلك لا تستطيع أية طبقة أن تصل إلى الزعامة القومية، وتصبح طبقة مهيمنة إذا حصرت نفسها في إطار مصالحها الطبقية، وبالتالي يجب عليها أن تأخذ بالحسبان مطالب ونضالات الناس الشعبية والديمقراطية التي ليس لها طابع طبقي بحت ومنها النضال من أجل الحريات المدنية وحركات التحرر الوطني والحركات المطلبية للفئات الاجتماعية وفي القلب منها الشبابية والنسوية والطلاب.

مفهوم جرامشي للهيمنة ينعكس على فضاء الصراع بين الدولة من جهة، والقطاع الخاص من جهة ثانية، وباقي مكونات المجتمع الأخرى من مؤسسات وأحزاب ونقابات ووسائل إعلام…الخ، حيث تنفصل الدولة عن كل هذه المكونات معتمدة على احتكارها لأدوات القمع والإكراه وتمارس حكمها القهري من خلالها.

ويرى جرامشي أن الدولة لا يمكن فهمها دون فهم تام للمجتمع المدني والذي يشهد صراعات سياسية وأيديولوجية بين الرأسماليين والعمال وغيرهم من مكونات المجتمع دون الدولة، وبالتالي المجتمع المدني كما فهمه جرامشي ليس مجالًا للصراع الطبقي فحسب، بل هو أيضًا مجالًا للنضالات الشعبية والديمقراطية والحركات والقوى المطلبية للناس ويجري تجييش الناس في هذا الفضاء، وأيضًا يجري تصنيفهم، مما يجعلهم مساهمين في حسم الهيمنة لأي من الطرفين القوى العاملة أو الراسمالية.

ويذكر جرامشي في عدة فقرات من دفاتر السجن: (… أن المجتمع المدني هو مجتمع أخلاقي لأن الهيمنة فيه للطبقة المسيطرة والتي يتم بناء سيطرتها عن طريق صراعات سياسية وأيديولوجية…). كما أن جرامشي يعتقد أن الدولة لا يقتصر هيمنتها على أدوات القمع والإكراه التي تنفرد بامتلاكها، بل تتعداها لممارسة الهيمنة داخل المجتمع المدني من خلال منظريها ومنظومة التعليم والمناهج واستخدام المؤسسات الدينية وعلاقات زبائنية وربط مصالح…الخ.

اعتبر لينين في كتاب الدولة والثورة أن السلطة تتركز في الدولة، وأنها تحت سيطرة الطبقة الرأسمالية المطلقة (أو جزء منها)، وأن هدف الاستراتيجية الثورية هو الاستيلاء على السلطة، وبعد استيلاء الطبقة العاملة وممثليها على السلطة يمكن البدء في بناء الاشتراكية، بينما يعكس مفهوم جرامشي عن الدولة المتكاملة أن السلطة علاقة، والعلاقات الاجتماعية في المجتمع المدني هي أيضًا علاقات سلطة، وبالتالي لا بد للطبقة العاملة أن تسعى لتحويل العلاقات داخل المجتمع المدني من هيمنة البرجوازية والدولة إلى هيمنة الطبقة العاملة عبر نشاط متزايد، يقود هذا الحراك نخبة من المثقفين المنتمين للطبقة العاملة وجزء منها مستخدمين الأيديولوجيا والتنظيم السياسي، ويطلق جرامشي عليهم اسم (المثقفين العضويين)، وبحسب جرامشي فللدولة والبرجوازية والطبقة الرأسمالية مثقفين عضويين يسعون باستمرار لهيمنة الدولة والرأسمالية على المجتمع المدني.

ومن وجهة نظر جرامشي فالمثقف العضوي ليس فقط الكاتب أو الفنان، وإنما القائد السياسي والمنظر والفني والمهني الماهر. ووفقاً لما عبر عنه جرامشي فإن هيمنة الطبقة العاملة في المجتمع المدني ترتبط إلى حد كبير بنشاط وقدرة مثقفيها العضويين، وأن نشاطهم يجب أن لا يقتصر على التنظير وإنما تقديم نماذج بالفعل والممارسة.

يقول جرامشي: (إذا كانت العلاقة بين المثقفين والشعب هي نتاج مساهمة عضوية تتحول فيها المشاعر والأحاسيس إلى فهم ومن ثم إلى معرفة، عندئذ فقط تكون العلاقة قائمة على التمثيلية وتتحقق الحياة المشتركة والتي وحدها تعتبر قوة اجتماعية كبيرة تحقق السلطة للطبقة العاملة في مواجهة سلطة الدولة والرأسمال، وتتشكل الكتلة التاريخية التي ستحمل مشروع الطبقة العاملة وتساهم بهيمنتها على الدولة).

وعند الحديث عن التنظيم السياسي ناقش جرامش في دفاتر السجن مفهوم المركزية الديمقراطية والمركزية البيروقراطية، واعتبر أن الثانية تتحقق بتراكم مصالح النخب داخل التنظيم السياسي الثوري، والذي يمارس المركزية الديمقراطية بشكل مشوه للحفاظ على مصالحه ونفوذه بما يأخذ التنظيم إلى المركزية البيروقراطية.

فالمركزية الديمقراطية عند جرامشي، هي تكييف دائم للتنظيم مع الحركة الحقيقية وتدفقات من أسفل مع أوامر من أعلى، مع ادخال مستمر لعناصر تقذف من القاعدة إلى الإطار المتين لجهاز القيادة والذي يضمن الاستمرارية وتتراكم الخبرات بشكل منتظم ومستمر، بينما المركزية البيروقراطية تركز علاقات القوة في الهيئات الأعلى وتغيب تدريجيًا قوة ورأي القاعدة إلى أن تصبح متلقي للأوامر، تتسع الهوة بين القاعدة والقيادة والتي تعتقد أو تبرر شرعيتها من كونها تنتخب من القاعدة.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق