إسرائيل ونزعة تجاهل محيطها

يجدر في تموز/ يوليو المقبل العودة إلى وقائع مؤتمر كامب ديفيد الثاني، إذ ستصادف فيه ذكرى مرور عقدين على انعقاده عام 2000، وذلك لعدة أسباب، يبدو أن في مقدمها الإرث الذي تركه وراءه رئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك، إيهود باراك، في ما يتصل بموضوع المفاوضات مع الفلسطينيين، بغية التوصل إلى تسوية المسألة الفلسطينية، وكيف انعكس هذا الإرث في السلوك السياسي اللاحق لدولة الاحتلال.

وهي عودة ضرورية، كونها تنطوي، حتى في بعض القراءات الإسرائيلية، على ملامسة جذور فكرة الأحادية التي تُعدّ بمثابة جوهر ذلك الإرث، ودخلت إسرائيل في شرنقتها منذ ذلك الوقت، ولا تزال مستنقعةً فيها، بعد أن كانت المفاوضات الثنائية بمنزلة نموذج مُعتمد لجهود البحث عن التسوية، على مدار الفترة الممتدة منذ اتفاقات أوسلو عام 1993 وحتى نهاية عام 2000.

وتمثّل التسويغ الأبرز لتلك الفكرة في مقولة باراك بشأن “عدم وجود شريك للسلام” في الجانب الفلسطيني، وهي مقولةٌ عزّزت لدى الإسرائيليين نزعةً، توصف في العادة بأنها اضطرارية، للتحادث مع أنفسهم فقط بشأن كل ما يتعلق بالتسوية، ولإغلاق الأبواب، ولإشهار العزم على الوصول إلى تسويات سياسية، وفقاً لما تفكر به، وبسجال مع ذاتها عبر التغاضي عن محيطها.

وعلى الرغم من قلة الأصوات الإسرائيلية التي تحلّل سير تطوّر الأمور على هذا النحو، فإنه يمكن العثور داخلها على أكثر من صوت حذّر ولا يزال من أن مصدر تصاعد “عدوانية” الشارع العربي يكمن في طبيعة إسرائيل الأنانية، وفي عدم تعاملها مع محيطها المُجاور، وفي عدم الاستعداد المتأصل لدى الإسرائيليين عموماً لرؤية العرب، ولو عن بعد متر واحد، كما لو أنهم “هوام لا يليق التحادث معهم”، مثلما سبق أن كتب الصحافي والمعلق السياسي دانييل بن سيمون، الذي أصبح، إثر الانتخابات الإسرائيلية العامة عام 2009، عضوًا في الكنيست عن لائحة حزب العمل، داعيًا إسرائيل إلى الخروج من شرنقة الأحادية والالتفات إلى محيطها الإقليمي ورغباته وتطلعاته.

ويُعتقد أن مماشاة ما يعرف باسم “اليسار الصهيوني” مع ذرائع باراك بشأن سبب إخفاقه في مسار المفاوضات الفلسطيني في كامب ديفيد دقّت أكبر مسمار في نعش هذا الفريق السياسي الذي كان يعتبر نفسه معسكر السلام الإسرائيلي، ومُني بهزيمة نكراء في الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة يوم 2 آذار/ مارس الجاري.

أكثر من ذلك، ما تبيّن من جولة الانتخابات الإسرائيلية السابقة، في سبتمبر/ أيلول 2019، والتي اتسمت بعودة باراك على رأس حزب جديد، وتحالفه مع حزب ميرتس، “الرمز” الباقي من “اليسار الصهيوني”، ضمن لائحة “المعسكر الديمقراطي”، أن أغلبية الذين يتباهون بحمل لقب “يساريين” قد يكونون “حمائم سلام” لكنهم، كقول معلق ما، “حمائم تُغرّد داخل السرب”، لا “حمائم ذات قيم عالمية” تتجاوز الإطار المحليّ الضيق.

وهؤلاء يؤيدون عملية السلام من منطلق اعتبارات براغماتية، تحيل فقط إلى ما يندرج في إطار مصلحة الشعب اليهودي، مثل الميزان الديمغرافي، أو ضمان أمن إسرائيل، أو دفع ازدهارها الاقتصادي قدمًا.

أما الصنف الذي يؤيد السلام لدوافع أخلاقية عالمية، فقد بات صنفًا نادر الوجود، وهذا الصنف هو الذي لا يبحث عن ملاذ في أحضان الوطنية العمياء والإجماع القومي.

وكما لفتت تقارير إعلامية في أثناء تلك الانتخابات، فإن باراك أصبح، عمليًا، “الواجهة السياسية لميرتس”! ولم يجد غضاضةً أو حرجًا في القول، في لقاء ضمن “مؤتمر المؤثِّرين” (يوم 5 أيلول/ سبتمبر 2019)، إن “المعسكر الديمقراطي يقف إلى يمين حزب العمل”!.

لعل ما ينبغي أن نستخلصه من نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة بشأن هذا اليسار ليس انتهاء دوره، بل إن هذا الدور لم يكن أساسًا لأن اليسار الحقيقي غير قائم، واليسار الموجود فعلًا هو الذي شنّ معظم حروب دولة الاحتلال، ودفع مشروع الاستيطان في أراضي 1967 إلى الأمام، وذلك بدون الخوض في رؤيته الاقتصادية- الاجتماعية التي لا بُدّ من اعتبارها جزءًا من هوية أي قوى يسارية.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق