الشعوب العربية في مواجهة التحديات: التطبيع مع إسرائيل

بقلم: فتحي الفضل
في أحد مهرجانات ترامب الصحفية، أعلن، مؤخرًا عن “بداية فجر جديد في الشرق الأوسط” إثر توقيع دويلات الخليج الإمارات العربية و البحرين “اتفاقية سلام” واعتراف متبادل مع الدولة الصهيونية.. وبحضور رئيس الوزراء نتنياهو ومشاركة ممثلين لدولتي الخليج.

تم التوقيع، وتعتبر الإمارات والبحرين ثالث ورابع دولة عربية تعترف بالكيان الصهيوني، بجانب مصر والأردن.. وكانت موريتانيا قد تبادلت التمثيل الدبلوماسي مع “إسرائيل” في عام 1999، لكنها تراجعت عن تلك الخطوة في عام 2010م.

والمعروف أن بعض الحكومات العربية خاصة دويلات الخليج والسعودية لهم علاقات سرية مع إسرائيل تحت المظلة الأمريكية منذ سنوات، وتضغط الإدارة الأمريكية الحالية على العديد من الحكومات العربية والإسلامية لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، ومن ضمن تلك المحاولات اللقاء الذي رتبته الإدارة الأمريكية بالتعاون مع الإمارات، بين رئيس الوزراء الاسرائيلي والجنرال برهان رئيس مجلس السيادة السودان ي. ذلك اللقاء الذي فشل في التقدم والوصول إلى الهدف الأمريكي الصهيوني – أي التطبيع- نتيجة المعارضة الجماهيرية والسياسية الواسعة داخل السودان. هذا وقد فشلت المحاولة الثانية لدفع عجلة التطبيع بين السودان وإسرائيل عقب زيارة وزير الخارجية الأمريكي وضغطه على الحكومة المدنية بمساومة: رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب، مقابل التطبيع مع إسرائيل، حيث اعتذرت الحكومة المدنية، بأنه ليس من صلاحيات سلطة الفترة الانتقالية تغيير أسس السياسيات السودانية، وبالتالي علق الأمر إلى ثلاث سنوات.

يجب التأكيد أن إعلان التطبيع مع “إسرائيل” لم يكن مفاجئًا لأحد، فالاتصالات بين بلدان الخليج وإسرائيل.. كانت تتم في السر ودون إعلان.. وبين الحين والآخر تخرق تلك الدول قانون مقاطعة إسرائيل بالقبول بمشاركة وفود اسرائيلية في بعض الفعاليات التي تمت في تلك البلدان، كما هو معروف وغير معلن عنه هو تبادل العقود التجارية والتنسيق الأمني مع إسرائيل تحت عنوان “حصار الخطر الإيراني”، بين السعودية والإمارات والبحرين وإسرائيل.

يهمنا أن نشير إلى أن تسريع خطوات التطبيع في الشهور الماضية أتت تحت الضغط الأمريكي- الصهيوني لإنقاذ ما يمكن انقاذه في إعادة انتخاب ترامب بعد الهزائم والهزات المتكررة التي تعرض لها أثر أزمة كورونا وسياسات الإدارة الأمريكية ضد السود.. واستعمال الشرطة العنصرية وقوات الأمن لضرب الحركة الجماهيرية الواسعة المؤيدة لشعار “حياة السود مهمة”. من الجانب الآخر يحتاج حزب الليكود الدفاع عن رئيس الوزراء نتنياهو الذي يتعرض لهجوم شرس من بعض القوى الإسرائيلية لاتهامه بالفساد، وفشل حكومته في مواجهة انتشار كوفيد-19.

وتحاول حكومتي الإمارات والبحرين ذر الرماد في العيون والضحك على الذقون وهي أدرى من غيرها بالكذبة الكبرى التي أطلقوها وصدقوها؛ أن الاتفاق مع إسرائيل أساسه منع/تأجيل ضم الأراضي الفلسطينية أو ما تبقى منها لإسرائيل الكبرى، وكما هو معروف، فإن الإمارات العربية والبحرين لم تخوضا أي حرب مع إسرائيل، ولم تشتركا في أي مجهود حربي ضد الدولة الصهيونية؛ لذا فالحديث عن “اتفاقية سلام” منافٍ للواقع.. فالتطبيع مع إسرائيل لن تستفيد منه حركة المقاومة الفلسطينية، ولن يمنع إسرائيل والإدارة الامريكية من السعي والسير لتنفيذ أهدافهم في فرض “صفقة القرن” وجر بعض أو معظم الأنظمة العربية والإسلامية للسير في هذا الطريق.

لقد ظهر جليًا ومنذ بداية هذا القرن أن النظام الرسمي العربي قد تفكك، وأن الأنظمة العربية في أغلبها من العراق إلى موريتانيا تسير في طريق الخنوع والخضوع للسياسات الأمريكية، ويزداد وضوح تطابق مواقف الأنظمة العربية، بين ظاهرها وباطنها لأول مرة منذ 1948، بحيث لم يعد هناك من صعوبة في فضح هذه المواقف والادعاءات الكاذبة.

هذه المواقف الأخيرة المنهزمة تأتي في وقت؛ تزداد الغربة الشديدة بين الحكام العرب والجماهير التي اكتوت بنيران القمع المستمر والمفضوح، والتدني الشديد في مستوى المعيشة للشعوب، وتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية إلى حدود لم يسبق لها مثيل؛ من فقر وبطالة وعوز وقصور في التنمية، خاصة تحت أزمة كورونا وهبوط أسعار البترول. ويأتي ذلك في ظل انحسار الاحباط الشعبي وبداية الحراك الجماهيري الواسع في عدد من البلدان العربية، بهدف انتزاع حقوق وهزيمة السياسات الرجعية للأنظمة العربية، فالجو العام السائد في الشارع العربي يصب في مصلحة الحركات الوطنية الاجتماعية؛ فبعد الردة التي صاحبت ما عرف بالربيع العربي، تنتفض حركة الشارع في العراق ولبنان و الأردن والسودان والجزائر والمغرب؛ مؤمنة بقضاياها وتعمل قواها الجذرية -شيوعية وديمقراطية- على تجميع القوى الوطنية – مهما كان اتحادها- لبناء جبهة عريضة تحت ريادة القوى الجذرية باتجاه بناء وتدعيم المقاومة الشعبية الكاملة والشاملة ضد المخطط الإمبريالي- الصهيوني – الرجعي.

إنّ للإمبريالية الأمريكية امتداداتها الداخلية في البلدان العربية المتمثلة بالبرجوازية الطفيلية والكبرادورية، والتي تمثل المدخل للإمبريالية وأدوات المؤسسات المالية العالمية، هذا الخطر تعبر عنه سياسيًا قوى الليبرالية الجديدة، وبعضها قد يكون موجود في بعض تنظيمات المعارضة، كما هو الحال في السودان وبلدان أخرى، لكن تطور الأحداث في السنوات الأخيرة يعكس بشكل منظور الفرز السياسي والطبقي؛ الشيء الذي يدعو إلى ضرورة الاهتمام بالقوى الشبابية التي ظهرت وتلعب اليوم دورًا مهمًا في صفوف المعارضة الجماهيرية، مثل لجان المقاومة في السودان.

إنّ القوى التي ثابرت على النضال ضد المخطط الإمبريالي الرجعي ووقف عملية التردي والتطبيع مع إسرائيل، يرتبط هذا النضال جدليًا بالنضال من أجل التغير السياسي والاجتماعي.. ما يجري في بعض بلدان الخليج خاصة الكويت يدعو إلى تفهم ومرونة من قبل القوى الأكثر جذرية، بحيث تقع مسؤولية كبرى أمام الأحزاب الشيوعية واليسارية في المنطقة للاهتمام بما يجري في تلك البلدان، كما أنه من المهم أن تضع هذه القوى التي تتصدى لقيادة الحراك الجماهيري في كل قطر على حدة؛ أهمية التنسيق مع الأقوى الأخرى في البلدان العربية للمساعدة في بناء جبهة مطلبية عريضة عربية، تواجه وتحل قضايا التحول السياسي والاجتماعي في المنطقة.

في هذا الإطار، يجب أن تحتل قضية التضامن مع الشعب الفلسطيني مكانها في جدول أعمال الحراك الجماهيري؛ إذ أنّ تأييد نضال الشعب الفلسطيني من أجل هزيمة الاحتلال وتحرير الأرض وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس وعودة اللاجئين هو جزء لا يتجزأ من نضال الشعوب العربية ضد الامبريالية؛ من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والسلام.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق