السودان في انتظار موقف قومي من التطبيع..

بقلم: محمد جبر الريفي
الفريق أول عبد الفتاح البرهان الذي هو الآن على رأس النظام في السودان ، بعد الإطاحة بنظام البشير السياسي الاستبدادي ذي التوجه الإسلامي، عليه ألا يشوه موقف السودان القومي التاريخي من القضية الفلسطينية، وذلك في هذه الفترة التي تشهد فيها المنطقة ميلًا شديدًا بالهرولة نحو التطبيع مع الكيان الصهيوني العنصري العدواني الغاصب، حيث الإعلام الأمريكي والإسرائيلي وتوقعات دول في المنطقة أن الطريق أصبح ممهدًا لجر السودان إلى اللحاف بالإمارات والبحرين، وذلك مقابل اغراءات مالية وغيرها واشتراطات مذلة تتناقض مع استقلال السودان وكرامته الوطنية التي هي دائمًا محل حرص شديد من كافة فئات الشعب السوداني، وهو التوجه الذي يتعارض مع تاريخه الوطني.

ففي الخرطوم العاصمة السودانية انطلق شعار اللاءات الثلاثة” “لا صلح ولا اعتراف ولا تفاوض” مع الكيان الصهيوني، وهي التي أقرت بالإجماع في مؤتمر القمة العربية الذي انعقد بعد وقوع هزيمة يونيو حزيران 1967، القاسية على المشاعر الوطنية والقومية، وكان شرفًا للسودان برئاسة الرئيس إسماعيل الأزهري أن يحتضن هذه القمة النوعية الهامة في سجل التاريخ السياسي العربي المعاصر.. أما في عام 1948 عام النكبة، فقد اشترك السودان ضمن الجيش المصري مع الجيوش العربية الأخرى في الحرب ضد العصابات الصهيونية وسقط العديد من الجنود السودانيين شهداء على أرض فلسطين، وقد كانت القوات المصرية التي دافعت عن الفالوجة وعراق المنشية وعن الكثير من القرى والمناطق الفلسطينية في جنوب البلاد هي بقيادة اللواء السوداني طه بيه، الملقب بالضبع الأسود الذي أرعب قادة العصابات الصهاينة؛ بسبب خططه العسكرية الناجحة التي أوقعت خسائر فادحة في العدو الصهيوني، وكانت كتيبة المقدم جمال عبد الناصر آنذاك التي صمدت في دفاعها أثناء حصار الفالوجة الذي استمر عدة شهور تحت إمرته.

أما بعد انتهاء الحرب التي أسفرت عن هزيمة الجيوش العربية أمام العصابات الصهيونية المدربة والمسلحة؛ تسليحًا جيدًا والمدعومة من قبل حكومة الانتداب البريطاني، خضع قطاع غزة للحكم العسكري المصري، تحت عنوان الأراضي الفلسطينية الخاضعة لرقابة القوات المصرية الضاربة، وبقيت كتيبة الهجانة السودانية، ضمن تواجد هذه القوات، حيث تعرض مقرها في عام 55 من القرن الماضي لهجوم غادر مباغت؛ شنته ليلًا الفرقة الإسرائيلية 101 وكان يقودها حينذاك الإرهابي شارون، وقد أسفر الهجوم عن استشهاد العديد من الجنود السودانيين الذين احتضنت أجسادهم الطاهرة مقبرة الشهداء بمدينة غزة، وهو ما ينبغي تسجيله في سياق المشاركة العسكرية السودانية في الصراع ضد العدو الصهيوني. وقد كان للسودان دورًا أيضًا في حرب أكتوبر 1973 إلى جانب المشاركة العربية من العراق والجزائر والمغرب و ليبيا وجيش التحرير الفلسطيني، وهكذا يتبين من خلفية هذه الوقائع التاريخية كلها، حقيقة مكانة السودان في النظام السياسي العربي الرسمي دولة رئيسية، وليست طرفًا في عداد الدول الصغيرة، كما هو حال مشيخات الخليج التي اكتسبت وزنها السياسي العربي والإقليمي، بما تملكه من ثروات مالية هائلة من عادات النفط، والتي أصبحت ترى أن مصلحتها الأمنية تكمن في التطبيع مع العدو الصهيوني. هذا هو السودان الذي يعرفه شعبنا الفلسطيني.. قُطر عربي شقيق دافع عن عروبة فلسطين واشترك جنوده البواسل في القتال ضد العدو الصهيوني، وسقط منهم الشهداء، وعلى الفريق أول عبد الفتاح البرهان أن لا يشوه هذه المواقف القومية من تاريخ السودان بالتطبيع مع العدو الصهيوني، وهو الذي تآمر يومًا على وحدته الوطنية التي أدت إلى تقسيمه بانفصال الجنوب، بهدف إضعافه كقطر عربي وأفريقي كبير واعد بإمكانياته الاقتصادية.

إن الأمل كبير في الشعب السوداني الشقيق الذي يمتلك وعيًا سياسيًا متقدمًا على كثير من الشعوب العربية، وفي أحزابه السياسية المناضلة التي أعلنت مواقفها الرافضة للتطبيع، والتي تؤكد في كل أدبياتها أن القضية الفلسطينية هي قضية شعب يناضل من أجل استقلاله الوطني وتحرره؛ الأمل كبير أن يفوت هذا الشعب العربي المسيس الفرصة على العدو الصهيوني وعلى إدارة ترامب المتصهينة، من تحقيق مكسبًا سياسيًا آخر بعد تطبيع الإمارات والبحرين اللتان خرجتا بخيانتهما العظمى للقضية الفلسطينية عن إطار سياسة التضامن والإجماع العربي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق