نهاية القومية وسياسات أخرى..!!!

بقلم: أكرم عطا الله
أشياء كثيرة تغيرت أو بالأحرى انهارت أمام أعيننا في الإقليم بعد تقارب بعض الدول العربية أخيراً، منها الإمارات العربية و البحرين ووقعت مع تل أبيب اتفاقيات تطبيع العلاقات، وبدا كأن هناك صدمة كبيرة لدى الفلسطينيين، ليس بسبب هذا التقارب ولا التبريرات التي تقال في هذا الموضوع على وهنها، بل لأنهم باتوا يدركون أننا دخلنا مرحلة جديدة في العلاقات مع إسرائيل، وأن جزء كبير من القوة التي كانوا يستندون عليها رغم ضعفها تتبدد أمامهم لا لشيء وبلا ثمن.

الأبرز هي المناخات الإقليمية السائدة وكأنها تخطيء تاريخهم، كما أراد نتنياهو أن يقول وهو يزف للإسرائيليين بشرى أن هناك دول على الطريق ستتبع تلك الدول التي جاءته الآن، فالأجواء بدت في غاية الكآبة السياسية وفي تبريرات العرب المغادرين نحو إسرائيل ما يدينهم ويدين تاريخهم بما يحمله من تضحيات وشهداء.

لكن اللافت ما قاله وزير الخارجية البحريني معلناً نهاية مرحلة استمرت سبعة قرون في تاريخ العرب، والتي كانت أساس ثورة هزت كبرى العواصم العالمية من لندن وواشنطن وباريس، حين تم خلع الملكية في مصر لصالح قومية عربية كانت تنولد على يد زعيمها الملهم جمال عبد الناصر، والتي كان أحد أسبابها ضياع فلسطين والأحداث التي عايشها في حصاره في مدينة الفالوجا الفلسطينية، مدركاً الخيانة العربية وحالة الضعف العربي، فقد قال عبد اللطيف الزياني وزير الخارجية البحريني وهو يبرر وجهته الجديدة يوم توقيع اتفاق التطبيع مع إسرائيل، بأن القضية الفلسطينية أصبحت قضية جانبية، وأن مصلحة البحرين هي القضية المركزية.

تفتت الإقليم وتفتت معه منظومة القيم والروابط والقضايا التي كانت العامل المشترك للعرب أو القضية المركزية ومع الزلزال الذي عاشته المنطقة تبدلت الأولويات وانهارت المعايير التي كانت تحدد قومية وعروبية البلدان والشعوب، نحو محليات أشبه بقبليات انعزالية نحو الداخل، هذا الأمر لن يمس فقط القضية الفلسطينية، بل يعني ربما نهاية عصر القومية ونهاية عصر الاجماع العربي، والذي بدأ ينسحب منذ سنوات على قضايا مشابهة أغلب الظن ستدفع كل الدول العربية ثمنه، حيث سيصبح أي تهديد على أية دولة مسألة تخصها وحدها ولا تعني العرب، ما يعني مزيداً من الاضعاف والتدهور.

في إطار الاتفاقيات التي خلا توقيعها من طقوس السلام الحقيقي كان ينهار الاجماع العربي على المبادرة العربية التي تقدمت بها السعودية في قمة بيروت عام 2002، والتي قدمت لإسرائيل جزرة العلاقات العربية معها مجردة من أي عصا، عندما أدرك العرب أن لا أحد منهم قادر على مواجهة إسرائيل، ولكن تلك المبادرة رغم بعدها التاريخي الذي يعكس حالة الضعف ورغم ما قيل فيها من انتقادات، إلا أنها كانت تعني الأرض مقابل السلام، ولكن بات واضحاً أيضاً أن تلك معادلة انهارت في ذروة احتفالات التطبيع.

أثبتت اتفاقيات التطبيع الجديدة أن نتنياهو تمكن من تحقيق رؤية السلام مقابل السلام، ذلك الشعار الذي كان محل سخرية من قبل بعض الإسرائيليين حتى والذين لم يتوقعوا أن تقدم دول عربية على تجاوز المبادرة السعودية، وأن لا سلام بدون الفلسطينيين، وأن لا سلام مع الفلسطينيين بلا أرض، وتلك معادلة المنطق، ولكن ثبت أن لا منطق سياسي يمكن الاحتكام به حين يتعلق الأمر بالعرب، هذا هو الواقع.

“الأرض مقابل السلام” معادلة سقطت أو أسقطها بعض العرب المندفعين، وبالمناسبة فإن تلك المعادلة التي شكلت طموحاً للعرب أو السقف الأعلى هي بالأساس معادلة وضعها دافيد بن غوريون أثناء حروب النكبة، عندما وصلت قواته إلى أراضي دول عربية مجاورة وهرعوا إلى سفراء الدول العظمى للطلب من إسرائيل بالانسحاب، تولدت لديه هذه المعادلة ليقول نعيد لهم الأرض وننسحب، ولكن مقابل شيء، ثم أصبحت تلك مقولة لكل زعماء حزب العمل الذين ورثوه ومع ذلك تحولت إلى شعاراً عربياً، والآن يتم اسقاطه ليس بمنطق إسقاط المعادلة الإسرائيلية من أساسها بفعل تغيير موازين قوى لصالح العرب، بل إسقاط الممكن العربي.

هذا هو الواقع الذي أمامنا يبرز نفسه بوضوح شديد؛ مجرداً من أي غطاء يحجب الرؤية أو يضع احتمالات يعلق عليها الحالمون آمالهم، تتساقط المعايير والأحكام والقيم التي سادت لعقود سابقة، فقد قالها العرب في اجتماع وزراء الخارجية الأخير دون أن تكون واضحة، بأن “فلسطين لم تعد القضية المركزية”، ولم يغرد الزياني خارج مناخات الإقليم السياسية التي جرفت سيولها المنظومة التي كانت سائدة.

يقول الصحافي الإسرائيلي بن درور يميني بعد اتفاقيات التطبيع “خرجت المبادرة العربية ودخلت صفقة القرن”، وتلك حقيقة تؤشر لما هو قادم بمعنى أن ليس تلك نهاية الأشياء، فما قاله ترامب بأنه طلب من الدول العربية الغنية أن تتوقف عن دعم الفلسطينيين؛ يؤشر أن تلك الاتفاقية هي بداية الضغوطات على الفلسطينيين نحو صفقة القرن، وهذه المرة بعد أن فشلت الضغوطات الأميركية الإسرائيلية. هذه المرة في كلام ترامب ما يشير لاستخدام العرب، وتلك مأساة جديدة…!

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق