سلام الخرفان

بقلم: سهيل كيوان
لم تسفر اتفاقات كامب ديفيد مع مصر ووادي عربة مع الأردن وأوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية عن سلام، ولا حتى عن هدنة مؤقتة، بل ازداد الوضع سوءًا وتعقيدًا بعد كل اتفاق، وانتقل الفلسطينيون والعرب من حضيض إلى حضيض، وفي المقابل انتقل الاحتلال من إنجاز إلى آخر، بدءًا من طرد منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت بعد حصار طويل عام 1982، حتى حشرها وإرغامها على توقيع اتفاق أوسلو عام 1995 ووقف الانتفاضة الأولى قبل الحصول على الدولة الفلسطينية المستقلة، ثم اغتيال ياسر عرفات، وإنجاز الانفصال بين حركتي حماس وفتح، ومواصلة الاحتلال وتغوّل ممارساته، ثم توقيع اتفاقية سلام مع الإمارات والبحرين، بمباركة مصر والسعودية، وآخرين لم يعلنوها على الملأ.

إسرائيل لا توقع سلامَا لأجل السلام، بل كي تستعد للخطوة القادمة، فقد هدفت من السلام مع مصر إلى تحييد مصر من الصراع، وهذا انطبق على الأردن، ثم توقيع اتفاق أوسلو الذي فتح الطريق أمام استمرار ضم الأراضي الفلسطينية واغتصابها على نطاق أوسع تحت غطاء وجود اتفاقية سلام، وإحداث تحوّل في علاقات إسرائيل الدولية، حيث بدا وكأنها في حالة مفاوضات مع الفلسطينيين، وهذا ضلّل الكثيرين من غير العرب ومن العرب، فحدث ترهّل كبير في علاقة العرب بقضية فلسطين وبلبلة في فهم ما يدور.

لم يحدث سلامٌ رغم ثلاث اتفاقات سلام، وسوف يزداد الأمر سوءًا بعد التطبيع مع دول عربية أخرى، والسبب أن كلمة (سلام) التي يرددها العرب والفلسطينيون لا تحمل المعنى الذي تحمله كلمة (سلام) لدى الإسرائيليين.

لقد فهم العرب السلام على أنه يعني وقف القتال بين متحاربين أوّلا، ثم البدء بخطوات تؤدي إلى إنهاء الاحتلال، على أسس قرارات الشرعية الدولية لتثبيت السلام واقتلاع سبب الحرب، وأبدوا مرونة كبيرة من خلال ما يسمى مبادرة السلام العربية التي أقرتها الجامعة العربية عام 2002 في اجتماعها بيروت، حيث بدا واضحًا أنهم مستعدون للتنازل عن الكثير مما عُرف بالثوابت وذلك أمام سياسة فرض الأمر الواقع، إلا أن السّلام في المفهوم الإسرائيلي يختلف جذريًا وبعيد جدًا عن ما يعنيه لدى العرب، فهم لا يعترفون بأنهم قوة احتلال أصلا، ففي قاموسهم السياسي حرروا القدس، و”التحرير” مستمر حتى يشمل كل فلسطين التاريخية، وطبعا هم لا يعترفون بأنهم سبب وجود قضية لاجئين، ولا يعترفون بأي حق في العودة حتى في حالة سلام دائم، بل ذهبوا أبعد من هذا، فمنعوا لم شمل عائلات من الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية مع غيرهم من الفلسطينيين أو العرب.

لهذا فعندما يدعو الإسرائيليون إلى السلام وتحقيق الأمن للجميع، فهم يقصدون بأن يرضى الفلسطينيون بالأمر الواقع، ويطلبون من العرب الضغط على الفلسطينيين ومحاصرتهم لإخضاعهم، تارة تحت مسمى محاربة “الإرهاب” كما هو الحال مع قطاع غزة تحت قيادة حماس التابعة لحركة الإخوان المسلمين مما يجعل حصار قطاع غزة مباحًا، وتارة الضغط على السلطة الفلسطينية في رام الله، تحت شعار استئناف المفاوضات السلمية، التي يعرفون سلفا عدم جدواها، ولكن كي يحصلوا على غطاء للتطبيع.

في الواقع أن ما يشغل بال مختلف القيادات الإسرائيلية، هو كيفية التعامل مع الأعداد الكبيرة من الفلسطينيين بين النهر والبحر، وكيفية الإبقاء على يهودية الدولة من البحر إلى النهر، أما قصة الدولة والقدس وتفكيك مستوطنات وعودة لاجئين فهذا غير وارد أبدًا، حتى وقف ضم الأغوار فهو مؤقت ومتفق عليه بين كل أحزاب السلطة ومع إدارة ترامب، وقد توقف مؤقتا لمنح المُطبّعين الجدد غطاء يتشدقون به أمام الرأي العام المحلي والعربي بأن سلامهم أوقف الضم، وفي الحقيقة أن التحالف مع إسرائيل هو تحالف لا علاقة له بفلسطين لا من قريب ولا من بعيد، والعكس صحيح، هو تحالف لإضعاف الفلسطينيين، وهو يقوّي التطرف في أميركا وفي إسرائيل، وهو تحالف ضد حريّة شعوب المنطقة، تحالف الاحتلال مع الدكتاتوريات العربية وهذا يشمل عبد الفتاح السيسي الذي بارك اتفاقية السلام الجديدة.

أما الحديث عن السلام وحقوق الشعب الفلسطيني فقد صار مثل ورق التواليت لمسح القذارات، وهو سلام خرفان يسوقها ترامب بعصاه إلى حيثما شاء.

الضعفاء لا يصنعون سلامًا، بل يستسلمون، وإلا فمن يطلب السلام بالفعل، عليه أن يعيد ترتيب صفوفه، ويشحن قواه ويستأنف النضال، بحيث يجعل من هذه الاتفاقات خيانة واضحة لا غبار عليها، ويجعل للاحتلال ثمنًا مكلفًا، وليس بردًا وسلامًا وبيانات استنكار، وحين يقف الفلسطينيون موحدين في مواجهة هذه الهجمة الجديدة، حينئذ سيجدون الشعوب العربية تقف من ورائهم رغم أنف حكامها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق