حرَّاس الإمبريالية.. في ذم “عرب أمريكا”

يومًا تلو الآخر يظهر البعد الاستشرافي للفنان والمناضل الفلسطيني ناجي العلي عندما أبدع في كاريكاتير “يا عرب أمريكا.. أنا برئ منكم”، يومها لم يكن الإلحاح بقدره الراهن على الاستسلام المطلق للحلول الأمريكية التي تعادي في ظاهرها وجوهرها الحق العربي، ولم يكن الجهر بالانبطاح مثل الحاصل الآن، لدرجة أن المواطن العربي لا ينفك يطالع في الصحف السعودية والإماراتية والمصرية مقالات شديدة الركاكة تطالب العرب برفع الراية البيضاء، تحت دعاوى متهافتة مفادها أنه لا سبيل غير ذلك.

لم تدعم الإمبريالية الأمريكية القضايا العربية أبدًا، منذ وراثتها للإمبراطورية الإنجليزية وهى تعمل بدأب على كسر النظم الوطنية في دول الجنوب، وتنصيب موالين لها ضد الإرادات الشعبية، أحيانًا بالتدخل المباشر في تلك الدول وفي أحايين أخرى عبر وكلاء لها بـ”ثورات برتقالية”، وخلّف ذلك ملايين الضحايا والذين يعانون من العوز والفقر نتيجة السياسات الـ”نيو ليبرالية” التي اتبعتها النظم السياسية التابعة للسيد الأمريكي في البيت الأبيض.

الكتّاب العرب الذين يتيهون حبًا في أمريكا، لا يفعلون ذلك من أجل جوزيف كونراد أو أرنست همنجواي أو والت ويتمان، وهم وجوه إنسانية مشرقة، بل لا تستدعى ذاكرتهم البائسة سوى بارك أوباما وفي الوقت الحالي بيرني ساندرز، في محاولة خبيثة وجاهلة في آن واحد لتسويق فكرة الحل الأمريكي وارتهان تحقيق الديمقراطية في دول العالم العربي بالرؤية الأمريكية، وهى رؤية لا تقيم وزنًا بالأساس للمواطن العربي الفقير أو القضايا الوطنية لدولنا، بل هى تعمل على ضمان أمن إسرائيل وتقنين استيلائها على ما تبقى من الأرض الفلسطينية، وتكريس حكم الأقلية الرأسمالية الحاكمة والإذعان التام للبنك وصندوق النقد الدوليين، أي أنها باختصار- تعمل ضد طموحاتنا في التنمية الاقتصادية والتحرر من استبداد النظم الحاكمة، إذًا كيف يمكن الحديث عن حلول أمريكية لمشاكلنا؟

المواطن العربي يدرك جيدًا أن هؤلاء “طابور خامس” يعمل داخل حدود وطنه، فيما تغيب الرؤى الأخرى المقاومة عن أغلب الفضاء الإعلامي العربي المسيطر عليه خليجيًا ورأسماليًا، ويديره “المثقف الكمبرادوي” بتعبيرالمفكر الإيراني حميد دباشي، الذي يمهد الطريق لقوى الاستعمار الجديد لاحتلال بلاده اقتصاديًا وثقافيًا وأحيانًا عسكريًا، مثلما حدث في العراق بالغزو الأمريكي وبعده في ليبيا بقصف الناتو، وقد حاولوا صناعته في سوريا بالتدخل من كل إمبرياليات العالم وفشلوا، وفي اليمن بقوات سعودية وإماراتية وفشلوا أيضًا، والنتيجة ما نراه الآن من فوضى وغياب دور الدولة وتحلل شبه تام لمؤسساتها.

استقبطت قوى الاستعمار الجديد العديد من المثقفين العرب ومن يسمون أنفسهم “نشطاء” (الاسم القديم مناضل، لكن النضال لا يستقيم مع العمل لصالح الأمريكان لذلك استبدلوه بالناشط)، عبر العمل برواتب كبيرة جدًا فيما يسمى “منظمات المجتمع المدني” وهى ليست الواردة في تنظيرات أنطونيو جرامشي الخاصة بحرب المواقع الإيديولوجية مع مؤسسات الدولة الرأسمالية، بل هى في صورتها الإمبريالية جزء رئيس من الرأسمالية، تستخدمها الأخيرة في حرف النضال الوطني عن غايته الأهم وهي تحرير الإنسان والأوطان، إلى غاية أخرى نقيضه تتمثل في الهروب الطبقى للأفراد والالتحاق بمعسكر الرأسمالية، في التجلي الأبرز لطغيان “أنا” على “نحن” في الواقع العربي.

تمر المنطقة الآن بتحولات عميقة تقودها نظم مصر والخليج المتحالفة مع أمريكا، وقد كان ما يسمى إعلاميًا في الصحف الغربية وانتقل إلى نظيرتها العربية بـ”الربيع العربي” وبالًا على الشعوب العربية، وصعدت إلى سدة الحكم أنظمة مرتهنة بالكامل إلى أمريكا أو وكلائها في المنطقة، وتأتي صفقة القرن لتكمل المخطط في تصفية القضية الفلسطينية لكي يتأتي الخروج الأمريكي من المنطقة لمواجهة الخطر الآسيوى الصيني، بعد ترتيب كافة الإشكاليات الراهنة، وأهمها كسر القوى المقاومة وإجبارها على الاستسلام الكامل للرؤية الأمريكية الإمبريالية ومن ثم القبول بوجود إسرائيل كأنها أحد الدول الطبيعية في الشرق الأوسط.

لذا لم يكن غريبًا أن تطالعنا الصحف والمواقع الخليجية والمصرية بسيل من المقالات الركيكة من “مخبرين محليين”، بالتزامن مع عملية تطبيع غير مسبوقة بين إسرائيل ودول عربية، ما يستدعى من كل المقاومين في شتى أنحاء العالم العربي فضح التحالفات الأمريكية الإسرائيلة العربية، وطرح وجهة نظر أخرى تتوسل بالمقاومة في التصدى لمن لا يريدون خيرًا لبلادنا، وفي مقدمتهم الأنظمة العربية التابعة وسدنتها من مثقفين وصحفيين استبدلوا بحرية شعوبهم ثمنًا زهيدًا، ولن يذكرهم التاريخ إلا مثل الضابط علي يوسف خنفس وزعماء قبائل عربية مصرية، الذين خانوا الزعيم الوطني أحمد عرابي وسلموا جيشه -في عتمة الليل- للغازي الإنجليزي، الذي كان يمثل إمبريالية القرن التاسع عشر.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق