الرواية التوراتية والتاريخ الفلسطيني في ميزان فراس السواح

هيمنة الرواية التوراتية على تاريخ الجغرافية الفلسطينية لوقت طويل، إذ جرى الاعتقاد أن الحكاية الواردة في أسفارها تنضوي على أحداث تاريخية حقيقية، ساعد على ذلك التوجه الاستشراقي للحكومات الأوروبية والأمريكية بأبعادها الاستعمارية والدينية، وتأسيس الحركة الصهيونية وانطلاق موجات الهجرة إلى فلسطين، الأمر الذي غذا الاعتقاد بمصداقية الرواية التوراتية؛ غير أن نتائج الكشوفات الأثرية التي تراكمت في الربع الأخير من القرن العشرين فنّدت رواية التوراة ونزعت عنها طابعها التاريخي وأحالتها إلى المجال الديني الصرف، فضلاً عن أنها سمحت بإعادة كتابة التاريخ الفلسطيني وفق منهجية تاريخية تعتمد الوثيقة الأثرية والتاريخية.

يعرض هذا المقال حلقات التاريخ الفلسطيني القديم كما جاءت لدى الباحث في الميثولوجيا وتاريخ الديانات الشرقية فراس السوّاح في مؤلفيه “آرام دمشق وإسرائيل” و”تاريخ أورشليم”، بالاستناد إلى آخر المكتشفات الأثرية والتاريخية، مقدماً نقداً لفصول الرواية التوراتية، حيث يجيب في السياق على السؤال حول نشوء اليهودية، وذلك للارتباط الوثيق بين هذه الإجابات وبين التاريخ الفلسطيني القديم.

وقد واجه السواح مأزقاً حقيقياً بسبب انعدام المصادر الأثرية لفترة السبي البابلي وما بعدها؛ غير أنه اضطلع بمهمة المؤرخ في قراءة النصوص المتوفرة التي انحصرت في بعض النصوص التوراتية وكتابات المؤرخ اليهودي يوسفوس، وخلص السواح إلى أن مملكتي يهوذا والسامرة كنعانيتان فلسطينيتان، وأن الفترة السابقة على السبي لم تشهد وجود الدين اليهودي ولا حتى بالطور الجنيني، وأن “العائدين” من السبي البابلي أعلوا الإله الكنعاني بعد أن طابقوه مع الإله الفارسي، وأن دولة المكابيين هي الدولة اليهودية الوحيدة التي قامت في مقاطعة يهود الفارسية الصغيرة التي أقيمت على أرض مملكة يهوذا، قبل أن يجري تدميرها على يد تيتوس الروماني، وأن هيرود العربي (حكم العام 40 ق.م) هو الذي بنى الهيكل أورشليم، فيما لم تكشف التنقيبات الأثرية عن وجود أي هيكل سابق عليه.

الباحثون الأثريون وتاريخ فلسطين القديم:
انطلق التنقيب الأثري في فلسطين العام 1865، مع تشكيل هيئة بريطانية أطلق عليها اسم صندوق التنقيب في فلسطين برعاية الملكة فيكتوريا، ورئاسة أعلى مرجع ديني في المملكة، وقد هدف هذا الصندوق على حد وصف بيان التأسيس إلى “التحري الدقيق والمنهجي لآثار طوبوغرافية وجيولوجية وعادات وتقاليد الأرض المقدسة، من أجل توضيح مسائل الكتاب المقدس”، واستعملت الرواية التوراتية كمرشد تاريخي لعملية البحث الأثري في فلسطين، وذلك لغياب الرواية الفلسطينية المستقلة عن الرواية التوراتية، وطبيعة فصول الرواية التوراتية التي بدت وكأنها تمنح تتابعاً تاريخياً لجغرافية المنطقة (تتكون الرواية من ست حلقات: عصر الآباء، والعبودية في مصر والخروج، واقتحام كنعان، وعصر القضاة، والمملكة الموحدة، والمملكة المنقسمة)، كل ذلك في الوقت الذي مثّل فيه العهد القديم (التوراة) السند الوحيد للعهد الجديد (الانجيل)، هذه المنطلقات حددت المسار اللاحق لعمليات البحث.

وقد انقسم الباحثون الأثريون في هذا الصدد إلى تيارين رئيسيين: الأول المتحرر، والآخر المحافظ، حيث يتوزع الباحثون بينهما. يجمع التيار الأول الموقف النقدي من التوراة، والعمل الجدي على استقراء الوثائق الأثرية والتاريخية، في حين جادل التيار المحافظ بأن “الشكل الأخيولي الأدبي لهذه الأسفار ينضوي على أحداث تاريخية حقيقية، غلّفها خيال النقلة عبر العصور… وأن النقد النصي يستطيع اكتشاف المستوى التاريخي الكامن تحت الظاهر الأخيولي للمادة التوراتية”.

في أعقاب احتلال فلسطين وإقامة الكيان الصهيوني “إسرائيل” على أرضها العام 1948، ثم احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة في العام 1967، انفتحت الجغرافية الفلسطينية أمام البعثات الأثرية الإسرائيلية؛ غير أن التنقيبات الأثرية خيبت آمال أصحاب الرواية التوراتية، وأسهمت في تضييق الهوّة بين كلا التيارين الأثريين، حيث أزاحت نتائج البحث الأثري أكثر فصول الرواية التوراتية عن طاولة النقاش التاريخي، وأحالتها إلى المجال الديني الصرف.

رواية الأصول التوراتية: أخيولة أدبية بحتة:
يعلن السواح أن النقد الأثري والتاريخي للرواية التوراتية خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين استطاع إخراج ثلاث حلقات من أصل ست حلقات، من مجال التاريخ إلى المجال القصص الديني، هذه الحلقات هي: أولاً قصص الآباء في سفر التكوين. ثانياً، قصة خروج بني إسرائيل من مصر. ثالثاً، قصة اقتحام القبائل الإسرائيلية أراضي كنعان، وقد خصص السواح في كتابه “آرام دمشق وإسرائيل” فصلاً لعرض كل قسم من أقسام الرواية وقدم له نقداً نصياً وآخراً تاريخياً وأثرياً.

فقد كشفت نتائج البحث الأثري حول قصص الآباء انعدام أية بيّنات أثرية أو وثائق يمكن أن تسمح بإجراء عملية تقاطع بين مفاصل قصة من قصص الآباء، ابتداء من الأب الأول إبراهيم وانتهاء بيوسف بن يعقوب، أو أي عنصر ثانوي من عناصرها، مع أي حدث أو معلومة تاريخية من عصر البرونز الوسيط أو حتى الأخير… وأن المدن التي تظهر في نصوص سفر التكوين إما غير موثقة تاريخياً، مثل سدوم وعمورة. وأما الموثقة تاريخياً، فمعظمها يشير إلى تاريخ لاحق لأحداث السفر لا يتجاوز بكثير الألف الأول قبل الميلاد.

فيما يتعلق برواية الخروج، فلا توجد أية بيّنات تاريخية أو أثرية تؤكد حلول العبرانيين في مصر، ولا عن خروجهم منها. أما القسم الآخر من الرواية، الذي يفترض حصوله شرق الأردن، فلا توجد بيّنات أيضاً، وقد فشل البحث الأثري في تتبع مسار الخروج اعتماداً على الرواية التوراتية، حيث إن أسماء المواقع الجغرافية غير مذكورة خارج النص التوراتي، حتى المواقع التي تحمل أسماء مشابهة في سيناء لم يعطِ المسح الأثري فيها نتائج تشجع على إجراء مطابقة مع النص، بما في ذلك جبل موسى الذي سمّي بهذا الاسم حديثاً عقب بناء كنيسة القديسة كاترين البيزنطية في الموقع. أما الأرض التي يصفها النص بأرض الفلسطينيين لم تكن قد استقبلت بعد شعوب البحر والقبائل الفلستية.

سكان الهضاب الفلسطينية: كنعانيون أصيلون
خلال القرن السادس عشر قبل الميلاد ضربت موجة جفاف مسياني اليونان وجزر بحر إيجة وامتدت إلى بلاد الشام شرقاً، حيث استمرت بخطى متسارعة حتى القرن الثالث عشر قبل الميلاد، انهارت بفعلها مدن الشام تبعاً للحساسية للمناخ، حيث لاحظ علماء الآثار حدوث تدهور تدريجي في الحضارة الكنعانية. وتحركت جماعة من شعوب البحر الباحثة عن الكلأ باتجاه مصر، القط السمين في ذلك الوقت، إلا أن الفرعون مرنفتاح هزمهم العام 1220 ق.م. وقد هزمهم رمسيس الثالث من بعده، وسمح للفليست منهم بالتوطن في السهل الساحلي، وقد صار اسم “فليست” يطلق على كامل المنطقة الواقعة إلى الجنوب من لبنان بين البحر المتوسط ونهر الأردن. وتشير المخلفات الأثرية من تلك المرحلة إلى ذوبان هؤلاء القادمين في الثقافة الكنعانية، حيث تختفي الخزفيات الوافدة معهم خلال القرنين التاليين، ثم عادت المنطقة إلى التوطّن بالسكان تدريجياً ارتبطاً بالتحول المناخي الجديد الذي مال إلى الاعتدال، وتلاشت آثار الجفاف خلال النصف الأول من القرن الحادي عشر قبل الميلاد.

وقد جهد الباحثون التوراتيون إلى تفسير ظهور القرى الجديدة في الهضاب الفلسطينية انطلاقاً من العام 1250 ق.م عبر مطابقتها مع رواية دخول العبرانيين إلى الأرض الفلسطينية، ويقدم النص التوراتي روايتين متناقضتين بهذا الشأن: سفر يشوع الذي يصف الاقتحام العسكري والسيطرة على الهضاب، وسفر القضاة الذي يصف التسرب السلمي والحلول وسط السكان الكنعانيين؛ غير أن التنقيبات الأثرية فنّدت رواية الاقتحام العسكري وأسقطتها. واتكاءً على رواية القضاة قدم الباحثون أربع نظريات حول الحلول السلمي للعبرانيين؛ غير أن النظرية الأركيولوجية الحديثة التي تعتبر الإطار العلمي الأثري في فلسطين، كشفت أن سكان الهضاب كنعانيون فلسطينيون ولم يأتوا من مصر، وأن المعلومات الأثرية تنفي إمكانية ظهور الدين التوراتي ولا حتى بالشكل الجنيني في فلسطين خلال النصف الأول من الألف الأول قبل الميلاد (تقدم السواح سابقاً بنظرية التطور الديني التوراتي في كتابه لغز عشتار لتفسير سكن القرى الجديدة في الهضاب مطلع عصر الحديد لكنه تخلى عنها وأجرى تعديلات أساسية عليها)

سليمان وعفاريته من طينة واحدة”
تقوم الرواية التوراتية على أن القبائل العبرانية خرجت من مصر العام 1250 ق.م، وتوطنت في الهضاب الفلسطينية خلال الفترة (1200-1000 ق.م)، وأنها اجتمعت تحت لواء شاؤول الذي حارب الفلستيين ثم قُتل خلال الحرب، وأن القبائل اجتمعت وانتخبت الملك داوود (حكم 40 عاماً للفترة 1009-969 ق.م) الذي دخل أورشليم وجعلها عاصمة مملكته الموحّدة، وأن داوود حكم جميع المناطق الفلسطينية عدا فلستيا، وحكم شرقي الأردن وسورية الجنوبية، وأن سليمان ورث المملكة (حكم 38 عاماً للفترة 969-931 ق.م) وأصبح أعظم ملوك الشرق بعد أن منحه الرب الحِكمة، وأن الملوك تقاطروا للاستماع لحكمته، وأنه حين توفي انقسمت المملكة إلى السامرة في الشمال ويهوذا في الجنوب، وأن نَسل سليمان حكم يهوذا حتى دمار المدينة على يد نبوخذ نصّر العام 587ق.م؛ غير أن التنقيبات الأثرية أكدت استحالة قيام المملكة الموحدة لاعتبارات أهمها انعدام الشواهد الأثرية، وعدم ذكر المملكة وعاصمتها أو أحد زعمائها لدى الفراعنة والآشورية المجايلين، فضلاً عن غياب القاعدة السكانية في الهضاب الفلسطينية التي تسمح بوجود المملكة.

تقول الباحثة كاثلين كينيون: “إن أعمق ما استطاعت عمليات التنقيب الوصول إليه هو أورشليم عصر نوبوخذ نصر العام 587ق.م، أما المدينة السليمانية الأقدم، والعاصمة المفترضة للمملكة الموحدة، فلم يتم العثور على بنية واحدة من بناها”. وينفي السوّاح إمكانية تشييد هيكل سليمان في أورشليم في القرن العاشر قبل الميلاد، إذ أن المملكة الموحدة نُسف أساس وجودها، فضلاً أن الهيكل غير موثق تاريخياً ولا أثرياً، ودماره غير موثق لدى البابليين، وأن “إعادة تصور المعبد اعتماداً على وصفه الوارد في سفر الملوك الأول وبعض مقاطع من سفر حزقيال، تضع أمامنا مخططاً لمعبد سوري تقليدي، من المعابد المكرسة لألوهة الخصب، والتي شاع بناؤها في بلاد الشام… وقد كشفت التنقيبات في بلاد الشام عن أكثر من عشرين معبداً مشابهاً”. كذلك فإن النص التوراتي يأتي على مثال واحد وحيد يعرض فيه حكمة سليمان، وهو قصة ساذجة يغلب عليها طابع الأدب الشعبي، ولا يذكر النص من بين الملوك المتقاطرين إلا ملكة مجهولة يدعوها ملكة سبأ، وبما أن مملكة سبأ المعروفة في جنوب شبه الجزيرة العربية لم تقم إلا في القرن الرابع قبل الميلاد، لذا فإن المطابقة بين ملكة سبأ الواردة في النص وإحدى ملكات سبأ التاريخيات لا يقوم على أساس علمي، كذلك فإن النص التوراتي الذي يفوق قصص ألف ليلة وليلة خيالاً، يجعل لسليمان سفناً تجوب بحر المتوسط، وذلك رغم أن مملكة سليمان المزعومة لم يكن لها مرفأ بحري على هذا الشاطئ!

يسأل السوّاح: لماذا لم يرد ذكر داوود في السجلات الآشورية التي قدمت خريطة سياسية وافية لمناطق الفرات وشمال ووسط سوريا؟ ولماذا خلت أخبار سفر صموئيل الثاني من أية إشارة إلى آشور؟ ويجيب: إن محرر سفر صموئيل الثاني لم يكن بين يديه معلومات حول القرن العاشر قبل الميلاد، وأنه لم يكن بقصد كتابة نص تاريخي، بل هدف إلى تزيين سيرة ملك ملحمي بالاستعانة بالذاكرة الشعبية في أحسن الأحوال.

إسرائيل ويهوذا الفلسطينيتان
ظهرت مملكة إسرائيل – السامرة العام 880 ق.م في الإقليم المعروف بالسامرة، وهي مملكة فلسطينية محلّية شيّدها الملك عمري، وقد استمرت أقل من قرنين من الزمان، حيث دمرها الآشوريون حوالي العام 721ق.م وسبوا أهلها إلى آشور. ويرد ذكر مملكة يهوذا وعاصمتها أورشليم في الوثائق الآشورية لأول مرة حوالي العام 732 ق.م، وهي مملكة فلسطينية محلية أيضاً، وقد جرى تدمير أورشليم وإلغاء يهوذا من الخارطة السياسية الفلسطينية على يد البابليين حوالي العام 587 ق.م، ورغم عدم توفر نص بابلي يخبر بالسبي البابلي، فإن المعلومات الأثرية تشير إلى التدمير الذي لحق في المدينة.

وتنفي المعلومات الأثرية الحديثة ما قدمته الرواية التوراتية حول المملكتين الفلسطينيتين، إذ أن مملكة السامرة- إسرائيل هي أول كيان سياسي معروف في السجلات التاريخية في المنطقة، ولم تنشأ عن مملكة موحدة سابقة عليها، وأن مملكة يهوذا نشأت بعد قرن ونصف من قيام مملكة السامرة، ولم تقم كنتيجة لانقسام المملكة الموحدة، كما لم يتوفر دليل واحد يسمح بعقد الصلة بين ملوك السامرة ويهوذا وبين ملوك المملكة الموحدة وأسباطها المزعومة، إذ تنتمي المملكتين إلى الثقافة الكنعانية السورية: فاللغة التي تكلموها هي لهجة كنعانية فلسطينية قريبة جداً من لهجة فينيقيا وأوغاريت، والقلم الذي كتبوا به لغتهم هو القلم الفينيقي الآرامي بعينه، كذلك فإن ديانة المملكتين كانت استمراراً طبيعياً لديانة كنعان في عصر الحديد الأول وما سبقه، والآلهة التي عبدت هي الآلهة الكنعانية، كما أن عمليات البحث الأثري لم تعثر على أثر للمعتقدات والطقوس التوراتية في معابد المملكتين إطلاقاً، وجميعها مكرّسة للآلهة الفلسطينية التقليدية. ويسأل السواح متعجباً: هل يعقل أن شعباً كثير العدد قد حل في الهضاب الفلسطينية مدة قرنين من الزمن وبنى لنفسه مملكة كبرى بعد ذلك دامت حوالي قرناً تقريباً، وضمت إليها أغلب المناطق الفلسطينية، لم يترك لنا أثراً واحداً يدل على ثقافتها الدينية؟!

العصر الفارسي ونشأة الدين اليهودي:
هُزم الآشوريون على أيدي البابليين، وواصل الحاكمون الجدد سياسة سابقيهم في تهجير الشعوب وإعادتها، وتظهر نغمة جديدة في الخطاب البابلي الذي حاول إقناع شعوب المملكة بالسيد الجديد بوصفه محرر الشعوب من نير الاستعباد الآشوري وسياساته التي استهدفت آلهتهم، وقد كشفت عمليات البحث الأثري النقاب عن نصوص بابلية تؤسس لإعادة التوطين، مثل نص إعادة سكان حرّان الذي يوليه السوّاح أهمية خاصة، معتبراً إياه المفتاح الأساسي لفهم المنعطف الجديد الذي اتخذه مسار الأيديولوجية الدينية في المنطقة، والذي وجد أحد تجسيداته بعد ذلك في كتب التوراة، وقد أسس هذا المسار لعملية إحياء الإله القديم عبر تحميله كل معاني الخلق الجديد لمعتقد وعبادة وطقوس لا تربطها بالصور الماضية إلا أوهى الروابط، وترد في هذا النص ثلاث أفكار رئيسية: الأولى فكرة الإله الواحد. والثانية فكرة إعادة بناء الهيكل لهذا الإله الواحد. والثالثة فكرة العودة وبناء مجتمع جديد يتمركز حول الهيكل وإلهه الذي أصبح شمولياً.

لم تعمر الإمبراطورية البابلية كثيراً، وسرعان ما سقطت في أيدي قورش الفارسي عام 539 ق.م. استهل قورش حكمه بإصدار بيان سياسي ذكر فيه أنه بصدد إعادة السكان الذين تعرضوا للسبي إلى مدنهم، وإعادة إعلاء آلهتهم. ويعتقد السواح أن هذه السياسة استهدفت بناء نظام إداري جديد في الإمبراطورية ذي طابع لا مركزي، ساعد في فرض القوانين والشرائع الفارسية، حيث طابقت الإدارة الجديدة بين الآلهة المحلية في المجتمعات الجديدة وبين الإله الفارسي الواحد (أهورامزا).

فيما يتعلق بمقاطعة “يهود” التي أقامها الفارسيون على جزء من أراضي مملكة يهوذا البائدة، فلم يجرِ الكشف عن وثائق فارسية تخبر بعودة المهجرين إليها، إذ أن الوثائق الفارسية شبه معدومة فيما يتعلق بفلسطين خلال القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد، وكذلك المصرية، وتنحصر الشواهد الأثرية في طبعات الأختام على الجرار الفخارية المعدة لتسويق منتجات الزيت والخمور، وكذلك في قطع العملة المعدنية، هذا الأمر وضع الباحثين الأثريين أمام مأزق حقيقي في مهمتهم التأريخية، وقد لجأ السوّاح إلى سفري عزرا ونحميا التوراتيين اللذان يفصّلا قصة العودة إلى أورشليم؛ وإذ لا يشكك السواح بالخطوط العامة لرواية السفرين، فإنه يرى أنه بناء على التحليل النصي لهما، وارتباطاً بالسياق التاريخي للإمبراطورية الفارسية، فإن “العائدين” إلى أورشليم منذ أواخر القرن السادس قبل الميلاد لم يكونوا استمراراً لأولئك المهجرين على يد نبوخذ نصّر وما بنوه في أورشليم لم يكن استمراراً للبنية القديمة، وقد أعلي الإله يهوه بعد أن جرت مطابقته مع إله السماء الفارسي، حيث نجد استعمال عبارة إله السماء لأول مرة في معرض الإشارة إلى الإله القديم يهوه

خصوص الشريعة الجديدة التي جاء بها عزرا من البلاط الفارسي، فهي العهد الأول الذي عقد بين الجالية الجديدة في أورشليم بين الإله الجديد والشعب الجديد، وهو الذي أسقطه المحررون على رواية الأصول، ثم جاء استكمال الجهد من قبل كهنة أورشليم الذي أضافوا لهذه الشريعة وأعادوا إنتاج القصص الشعبية على أنها روايات أصول للجماعة الناشئة. بذلك، فإن الفترة الواقعة بين أواخر القرن السادس وأوائل القرن الثاني قبل الميلاد، هي التي تمت خلالها الصياغة التدريجية للمعتقد التوراتي والشريعة التوراتية.

ويكشف النص التوراتي عن هاجس تراثي أرّق محرري التوراة ودفعهم لكتابة نص تأصيلي يتضمن رؤية أيديولوجية ذات شقين اثنين: شق عرقي وشق ديني. عرقياً، فهي ترنو إلى رسم خط نسب نبيل يوصل إلى الأسباط الإثني عشر لإسرائيل، وخطوط نسب فرعية توصل إلى بقية الشعوب القريبة زمنية من عهد توثيق التوراة. فمن جارية إبراهيم المصري يولد إسماعيل وهو أبو القبائل الإسماعيلية. ومن عيسو المنبوذ يولد أدوم وعماليق. ومن بنتي لوط اللتين حملتا سفاحاً من أبيهما يتسلسل المؤابيون والعمونيون. دينياً، فإن “الإله الواحد، الذي بشّر به كهنوت يهوذا بعد السبي البابلي، هو ذاته، الذي بشّر به موسى بين بني إسرائيل في مصر، وهو الذي خاطب إبراهيم أول مرة في حاران وأقام معه العهد ومع أولاده من بعده”.

وبالرغم من أن عملية التنسيق الأخيرة لنص التوراة وضعت القصص ذات المشارب الثقافية المختلفة في رواية واحدة، إلا أن العناصر الأساسية في تلك القصص حافظت على حضورها، فالإله الذي يتناول الطعام تحت الشجرة بدعوة من ابراهيم، ويلتحم بصراع جسدي مع يعقوب، هو غيره في سفر الخروج الذي يسير أمام الشعب على هيئة عمود من نار أو سحاب، وهو غيره الذي سكن هيكل أورشليم.

الفترة اللاحقة: من العصر الهلينستي إلى العصر الروماني دمار أورشليم:
غنم الاسكندر المقدوني بلاد الشام ومصر العام 333 ق.م، ثم الفرات وصولاً إلى الهند وطرد الفرس، إلا أنه توفي وانقسمت الإمبراطورية بين بطليموس وسلوقس، واستقل بطليموس في مصر وسورية الجنوبية التي شملت فلسطين، وحكم البطالمة سورية الجنوبية حتى العام 200 ق.م، حين استطاع السلوقيون انتزاعها والسيطرة عليها، ولم تكن هذه الفترة أفضل حالاً على صعيد توفّر الوثائق الأثرية والتاريخية، حيث انحصرت في أسفار المكابيين – أسفار غير معترف بها – التي لا يوجد لدى السلوقيين ما يتقاطع مع روايتها، وأعمال المؤرخ يوسيفوس التي تنقصها المنهجية وتملأها التناقضات، ويراهن السواح على قدرته كمؤرخ في قراءة ما خلف السطور وتخليص مروياتها من المبالغات.

وتقوم رواية المكابيين على أن السلوقيين فرضوا الهيلينية على أورشليم بالتعاون مع تيار إصلاحي في المدينة، غير أن التيار المحافظ بقيادة متى حشمون، قاد تمرداً العام 164 ق.م، وأتبعه بتطهير المعبد من الرموز الإصلاحية، بعد توالي أحداث كثيرة، ورث شقيقه الأصغر سمعان حكم أورشليم وأعلن مقاطعة اليهودية دولة مستقلة العام 142 ق.م، وهي الدولة التي عرفت بدولة المكابيين. لاحقاً حاصر الرومان أورشليم وفتحوها العام 63 ق.م، حيث حول بومبي الروماني فلسطين إلى مقطعة صغيرة تابعة للولاية السورية. وتحفل النصوص بعظيم التبجيل لهذا الاستقلال، ملقية عليه مسحة إلهية؛ غير أن السواح يرد هذا الاستقلال إلى حالة التفكك التي عانت منها الدولة السلوقية مع بزوغ روما الجديدة، حيث نجد تكرر استقلال المقاطعات المجايلة: صور وصيدون وطرابلس وأشقلون واللاذقية وبيروت.

عيّن الرومان هيرود حاكماً على مقاطعة اليهودية بعد أن عاد على رأس جيش روماني وهزم المتآمرين على أبيه انتيبار العام 40 ق.م، كان هيرود أدومياً من جهة الأبوين، والآدوميون ينتمون للذخيرة السكانية لشبه الجزيرة العربية. أما عن ديانته فهي نوع من اليهودية السياسية إذ إنه ورثها عن أبيه المتهوّد أحل هيرود الشريعة اليونانية في أورشليم ووسع المقاطعة وزودها بالمسرح والملعب وأعاد بناء معابد الآلهة المحلية، بما فيها هيكل يهوه، إذ كان هيلنياً مخلصاً.

حين توفي هيرود وقسمت المقاطعة بين أبنائه ثم حكمها ناظر روماني يتبع إلى القنصل الذي يدير ولاية سورية، ثم نشب تمرد العام 66 م، وهو الذي أفضى إلى حكم عصابات لأورشليم؛ غير أن التحولات التي رافقت موت نيرون الروماني وتغيير الحكام، أخّرت استعادة الرومان لها. في العام 70م وصل تيتوس بقواته وحاصر المدينة، وبعد دخول المدينة وتحصن المتمردين في الهيكل حرق الهيكل ولاحق المتمردين وقام بإعدامهم. تهدّم المبنى ولم يبقَ منه حجر واحد، وأسواره تهدمت حتى قواعدها، عدا مقطع صغير من السور الغربي الذي صار يعرف بحائط البراق، هنا تتوقف رواية المؤرخ اليهودي يوسفيس.

في أعقاب دمار الهيكل وزوال مركزية العبادة في أورشليم حدث تغير عميق في بنية المعتقدات والطقوس اليهودية، واستلم قيادة الحياة الروحية جماعة من الحكماء يدعون الرَبَانيين الذين حددوا الأسفار الشرعية ورفضوا سبعة أسفار اعتبروها غير شرعية، كما اتخذت الديانة التوراتية هذا الاسم للمرة الأولى في القرن الثاني للميلاد، ورافق ذلك ظهور نصوص العهد الجديد (الانجيل) التي كانت أكثر تأثراً بالثقافة الهيلينية واتكأت على العهد القديم وسلسلة الأنساب التي جاء بها، أخيراً بنيت مدينة إليا كابيتولينا على يد هادريان الروماني بعد أن دمر أورشليم.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق