انحطاط سياسي وأقلام مستلبة حضاريًا

في رحلة البحث القلقة عن سمات الوضع العربي الراهن يتضح مدى الانحطاط والتدهور والتفكك الذي وصل إليه الواقع السياسي العربي في مواجهة المشروع الصهيوني، الذي أصبح مشروعًا أمريكيًا امبرياليًا خالصًا، تم التعبير عنه بموقف واشنطن لأول مرة من القضايا الجوهرية للصراع العربي الصهيوني، حيث تم مصادرتها وبشكل خاص قضيتي القدس واللاجئين، وكذلك تحويل القضية الفلسطينية بكاملها إلى قضية إنسانية معيشية بعيدة عن طابعها السياسي الوطني التحرري.

وبالمقارنة الآن مع فترات التاريخ السياسي العربي الماضية تتكشف حالة من التدهور والتفكك في الخطاب السياسي العربي المعاصر، لم تشهدها شعوب الأمة العربية عبر تاريخها الطويل، خاصة في فترتين سابقتين: الأولى، يوم أن كانت البلدان العربية تحت نفوذ الإمبراطورية العثمانية، مكبلة بالحكم التركي البغيض، الذي دام زهاء أربعة قرون، وقد كان بغطاء العامل الديني، لكن دافعه الأساسي كان هو تلبية طموحات النزعة القومية الطورانيه في الهيمنة على العالم الإسلامي، ولكن في المقابل كان الوعي القومي العربي في تزايد، بينما في هذه المرحلة من الانحطاط، يلاحظ أن هذا الوعي السياسي بخطورة المشروع الصهيوني الإمبريالي يأخذ بالتراجع بصورة ملموسة.

أما الفترة الثانية فهي فترة الاستعمار الغربي للوطن العربي؛ لتلبية مصالح البرجوازية الأوروبية التي وصلت إلى السلطة السياسية بعد اندحار عصر الإقطاع السياسي، ولكن كان من دوافعه أيضًا الأصولية المسيحية الغربية المعادية لسماحة مسيحية الشرق، وفي محاولة لتكرار حملات الحروب الصليبية، غير أن الشعور الوطني والقومي كان في تلك المرحلة الاستعمارية متأججًا، بحيث يسير بالشعوب العربية بخطى متسارعة نحو الاستقلال الوطني، وذلك بخلاف هذه المرحلة التي تشهد اندفاعة نحو الغرب الرأسمالي بتعدد شركاته الاحتكارية مختلفة الجنسية، حيث تكون محصلتها في النهاية المزيد من علاقات التبعية بكل أشكالها السياسية والاقتصادية والأمنية.

مرحلة من الانحطاط السياسي بكل مظاهرة تعيشه الأمة العربية الآن، بعد تراجع الدور القومي الذي كانت تقوده مصر الناصرية قبل هزيمة يونيو حزيران 67، ليصبح فيه المال السياسي النفطي الخليجي هو الذي يتحكم في اتجاهات السياسة العربية الرسمية ويطغى على المبادئ الوطنية والقومية وعلى الانتماء الديني أيضًا، حيث شرعية الأنظمة الملكية العربية التي قامت على أساس ديني تتراجع الآن في ظل خطوات التطبيع مع الكيان الصهيوني، وفي ظل عدم اتخاذ أي موقف حازم تجاه نقل السفارة الأمريكية إلى القدس.

إن ظاهرة الانحطاط السياسي التي تسود الواقع العربي لا تقتصر على بلدان بعينها فقط، بل تجاوزت ذلك بما تعبر عنه الآن الأقلام المأجورة المهزومة التي دارت ظهرها للقضية الفلسطينية؛ أقلام رخيصة تدعو للتطبيع مع الكيان الصهيوني وتشيد بتقدمه العلمي والتكنولوجي، وهي بذلك تعبر عن ظاهرة الاستلاب الحضاري التي هيمنت على عقول أصحابها، وتجد ترجمة لها على صفحات المواقع الإخبارية والصحف الإلكترونية، وهو ما يشكل انعكاسًا عمليًا للواقع السياسي العربي الرسمي الذي من سمته التخاذل في نصرة القضايا الوطنية والقومية.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق