انتهازية غيلون وبعض الحقائق

ليس هناك أكثر من قادة الكيان الصهيوني انتهازية، فهم يذكرون ما يعتقدون أنه حقيقة، أو يكشفون أسراراً، وينسون الحقائق الأهم، فصهيونيتهم تظل هي الموجه لهم، وتصريحاتهم ليست صحوة ضمير بالتأكيد، وإلا لقالوا الحقائق كما هي.

كمثال على ما قلناه نورد الآتي: رسم رئيس جهاز الأمن الداخلي «الإسرائيلي» الأسبق (شين بيت) كارمي غيلون وضعاً أسود لمستقبل «إسرائيل»، مشدداً على أن بعض الإرهابيين اليهود (لم يقل كلّهم!) لم يعودوا يعملون في الخفاء. جاء ذلك في مقابلة أجرتها معه الصحفية أريانا ميلاميد نشرتها صحيفة «هآرتس» (الأربعاء 11آذار / مارس الحالي). قال غيلون: «إن مستقبل (إسرائيل) سيكون (إما سيئاً أو سيئاً للغاية)». مستطرداً «إننا إذا تبنينا خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسلام في الشرق الأوسط، فإنها بذلك ستطلق العنان لعقيدة دينية يمينية متطرفة ستشعل الفوضى العارمة في (إسرائيل)». وأضاف «في غضون الأشهر أو السنوات القليلة المقبلة، سيحدث حتماً هجوم إرهابي مرعب على كنيسة السيّدة العذراء ب القدس القديمة».

من وجهة نظره، فإن الاعتداء على الأماكن المسيحية سيدفع الشين بيت لتطويق المشتبه فيهم من حركة «شباب قمة التل» والتحقيق معهم.

للعلم، حسب موسوعة ويكيبيديا الإلكترونية، تتألف حركة من يسمون ب «شباب قمة التل» من عناصر شبابية إرهابية متشددة وقوميين متطرفين يهود ينشطون في بناء مواقع استيطانية من دون أساس قانوني في الضفة الغربية على مسمع ومرأى من رجالات «الشين بيت» وبمساندته. ويقول غيلون أيضاً: «من الممكن شن هجوم على كنيسة البشارة الكاثوليكية، وهي من أهم المعالم الدينية المسيحية في مدينة الناصرة، وهذا سيشعل نيراناً هائلة، وسيثير موجات جديدة من العداء المسيحي لليهود في العالم». للعلم، يعتبر غيلون أفشل رئيس أمني ل «الشين بيت» في تاريخ الكيان بسبب تمكن يغال عامير من اغتيال رئيس الوزراء الأسبق إسحق رابين في ال 4 من نوفمبر / تشرين الثاني 1995.

وأوضح غيلون أن هناك سيناريوهين: «أحدهما سيئ، والآخر سيئ للغاية». فهو يعتقد أن هاجس البقاء في المسرح السياسي لطالما أرّق كل السياسيين في«إسرائيل»، مضيفاً أن نتنياهو رَهن الدولة، ودفن الديمقراطية عندما رفض الذهاب إلى السجن. لذلك فإن السيناريو الأسوأ في أعقاب الانتخابات الأخيرة سيتمثل في تشكيل حكومة وحدة وطنية مؤلفة من نتنياهو وبيني جانتس زعيم حزب «أزرق أبيض». ومضى إلى القول: إن «(الإرهابيين اليهود) لم يعودوا يعيشون على الهامش، (ولم يعودوا أعشاباً برية ضارة)، كما كان يطلق عليهم بعض الجمهور أحياناً»، منوهاً بأنه عندما اكتُشف أمر الحركة اليهودية السرية، بعد سلسلة من الهجمات التي تعرض لها الفلسطينيون في ثمانينات القرن الماضي، كان هناك 12 ألف مستوطن في الأراضي (الفلسطينية)، أما اليوم، فهناك خمسمئة ألف. وكشف الرئيس الأسبق ل «الشين بيت» عن أنه ما من نائب عام في «إسرائيل» سمح بالتحقيق مع الحاخامات المتطرفين ومحاكمتهم على ما تنطوي عليه تصريحاتهم من خطر داهم، وتأثيرها في تلامذتهم، وأقر بأن الجهاز الذي كان يرأسه أخطأ في تعامله مع أولئك الحاخامات.

ولا يتوقع غيلون أن يظل الهدوء سائداً في «إسرائيل» خلال الأربعين سنة القادمة، مشيراً إلى أن مطلق حكومة «إسرائيلية» تفعل كل ما في وسعها لإخفاء الحقيقة. من جهة أخرى أشارت الصحفية التي أجرت المقابلة إلى أن غيلون وبنيامين نتنياهو كانا ينتميان في شبابهما لمجموعة معسكر عمل للشباب يسمى «مناضلون من أجل الحقوق اليهودية». بمعنى آخر هو عضو منظمة إرهابية صهيونية مارست الموبقات ضد الفلسطينيين.

هذه المرّة يحاول رئيس «الشين بيت» الأسبق أن يبدو كأنه يدافع عن الأماكن الدينية المسيحية، وهو مؤلف كتاب يسيء للسيد المسيح! تصوروا هذا التناقض! لم يتحدث غيلون عن عنصرية بلده ولا فاشية الحكم ولا اليمين فيه، ولا عن دعوة الحاخامات إلى قتل العرب، إنه فقط يقول كلاماً عاماً عن بعض الحقائق الصهيونية في كيانه، لكن تصريحاته أكثر من كاذبة وانتهازية في جوهرها.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق