من انفجار بيروت إلى تسونامي حيفا

بقلم: جنان عبده
تسونامي في حيفا
حين سرت على شاطئ البحر في حيفا في المنطقة القريبة من الميناء، شدّت انتباهي لافتة معلّقة هناك قرب شاطئ السباحة تحذّر من وقوع تسونامي في المنطقة، وترشد الناس لكيفيّة التصرف لو حدث الأمر.

استغربت جدًا وتساءلت كيف يمكن أن يحدث تسونامي في منطقة خليج هادئ، منطقة خليج بحر وليس في محيط مفتوح. طيلة ثلاثين عامًا أسكن في حيفا، ولم يحدث أن سمعنا عن تسوماني، باستثناء ذاك الكابوس الذي شاهدته في منامي حيث رأيت أمواجًا عالية ترتفع وترتفع الى أن تغرق البلدة القديمة – المنطقة التحتى من حيفا بكاملها. لكن يبدو أن هذا الكابوس الذي كنت أراه لم يكن كابوسًا في مخيلتي فقط، بل أن احتمالية حدوثه تبدو عالية، لدرجة أن بلدية حيفا ثبّتت لافتات قرب الشاطئ وفي الشوارع القريبة. كما تجد أيضا لافتة أخرى مشابهة بقرب مشفى رامبام الحكومي الذي يقع على شاطئ البحر مباشرة. ويبدو أن احتمالية حدوث تسونامي في هذه المنطقة الهادئة قريبًا من الشاطئ المسمى “الشط الهادئ”، هي أكبر مما يمكن أن نتوقعه. فهل هو الهدوء الذي يسبق انفجار البركان؟

بيروت وحيفا تجلسان على فوهة البركان
حزنت وغضبت لمشاهد النكبة التي حلت في بيروت وأهلها ودمرت البنية التحتية والمباني وحفرت البحر، وشوهت المكان وغيرت الجغرافيا، وخلّفت الآلاف من قتلى وجرحى ومشردين دون مأوى ودون بيت. نكبة كان بالإمكان تفاديها لو تصرف المسؤولون بشكل آخر حيث كان بإمكانهم منع هذه المصيبة بهذا الحجم الهائل في مرفأ بيروت، أو على الأقل التخفيف من هولها وحجمها وكارثيتها.

وماذا عن حيفا؟ وهل هي وأهلها بأمان من سيناريو مشابه؟ كيف تتصرف الحكومة الإسرائيلية والسلطات المسؤولة مع مجمع الخطر الرهيب الذي تجلس عليه حيفا عنوة؟

أعاد دمار بيروت إلى الأذهان مخاوف حدوث نكبة مشابهة في حيفا، ما بعد نكبة 1948. نكبة لا تُهجر الأهل فقط، بل تقضي على الحياة وتهدم المباني وتشوه كل ما يمكن أن يبقى خلفها وتغيير الجغرافيا. وهي مخاوف ليست مبنية على مشاعر وتخوفات، بل على معلومات وحقائق على أرض الواقع.

أهل المدن الساحلية كما يبدو لا يتمتعون فقط بجمال المنظر وامتداد البحر والتقائه الجبل، بل يسكنون فوق فوهة بركان ممكن أن تنفجر في كل لحظة، خصوصًا مقابل سياسات التكتيم والإهمال والاستهتار. والتساؤل هو من يملك الإجابة الصحيحة حول المخاطر المحدقة بميناء حيفا وبأهلها، واحتمالات حدوث مصيبة مشابهة لما حدث في بيروت، ولربما ليس بحجمها لكن تشبهها بالتفاصيل، خصوصًا إذا ما سبقتها كوارث طبيعة مثل هزة أرضية في أعماق البحر أو قريبًا من الميناء، والتي وكما يشير الخبراء فإن احتمالية حدوثها واردة بل عالية. هزّة أرضيّة كهذه ممكن أن تؤدي إلى ارتطام مخازن المواد الكيميائية والسامة، وتؤدي إلى انطلاقها وتفاعلها معًا، والقضاء على من حولها من بشر وحجر.


ما حدث في بيروت أعاد إلى جدول الأعمال العام المجتمعي والسياسي وداخل أروقة الكنيست وفي اللجان الخاصة ومن خبراء ومختصين في علم الكيمياء والمواد، الوضع في ميناء حيفا ووجود المواد الخطرة فيه. رغم أن خبراء في المجال يؤكدون من جهة أن الوضع في حيفا لا يشبه الوضع في بيروت من ناحية الخطورة، لكنهم يؤكدون من الجهة الأخرى، أن هذا لا يعني أن منطقة خليج حيفا خالية من المخاطر في مواقع مختلفة منه، وينبهون لإمكانية حدوث خلل قد يؤدي لإصابات جماعية بين سكان المنطقة. ويلفتون إلى أن نقص المعلومات بكيفية معالجة المواد الخطرة الموجودة في هذا الخليج.

هل سينقذ انفجار بيروت أهل حيفا والمنطقة؟
800 مادة خطرة وأكثر في خليج حيفا
تؤكد الصحافية تسفرير رينات في تقريرها في صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية (21/08/2020) أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، ووزيرة حماية البيئة غيلا غمليئيل، سارعا بعد انفجار بيروت إلى تشكيل لجنة مديرين عامين لفحص إمكانية تفريغ المصانع القائمة في الخليج من محتواها، والتي من المطلوب منها ان تقدم توصياتها خلال 90 يومًا. هذه التوصيات من المفترض أن تضاف إلى مسح المخاطر الذي تقوم على إعداده وزارة حماية البيئة، والتي من شأنها أن يقدم تصورًا لحالات يكون في مركزها انطلاق المواد الخطرة بأحجام هائلة.

ويتبيّن أن الجزء الأول من المسح الذي نُشر قبل سنة تمحور حول احتمالات حدوث خلل في التشغيل الجاري في هذه المصانع كجزء من النشاط العادي. هذه المرحلة من البحث تطرقت إلى ألف مصدر خطر و800 مادة خطرة موجودة في المنطقة.

يؤكد د. إيلي شطيرن القيّم على مسح المخاطر أن هذا المستند الذي تم نشره لا يقدم صورة واضحة وشاملة عن المخاطر في خليج حيفا، لأنه لم يتطرق حتى الآن إلى احتمالات حوادث خطيرة والتي تشمل إصابة من جراء هزة أرضية، أو استهداف متعمد في حرب محتملة، أو خلل أثناء وخلال تخزين مواد خطيرة. ويشير إلى أن العمل على هذا الجزء من المسح جرى تجميده لنقص في الميزانيات. ورغم أنه يشدد على أن ما حدث في بيروت بشكله وحجمه لا يمكن أن يحدث في حيفا، إلا أنه يوضح أن لأي أحداث خطيرة في خليج حيفا أن تخرج عن نطاق المصنع وتطال سكان المنطقة.

اختصاصيون آخرون في مجال المخاطر، ومنهم يارون حنان وبروفيسور عاموس نيطع، يؤكدون وجود الكثير من المباني والإنشاءات القديمة في الخليج المعرضة للخطر بدرجة كبيرة (تسفرير، مصدر سابق)، بل أن هناك مقرّات تحوي موادًا خطيرة في خليج حيفا لا تفي بمواصفات التخطيط الملزمة، والتي تشكل مصدر خطر داهم. كما يشير الاختصاصيون إلى تقرير مراقب الدولة الذي تحدث عن فشل كبير في مستوى صيانة مباني المواد الخطرة هذه، وأشار بدوره إلى إشكاليات وفشل وزارة حماية البيئة في الرقابة على هذه المصانع.

حدوث تسونامي سيؤدي إلى انفجار البركان من المواد القاتلة في خليج حيفا
د. إفرايم ليؤور، المختص في موضوع المخاطر والذي يشغل منصب رئيس مركز أبحاث الكوارث الفجائية متعددة الإصابات في المعهد التكنولوجي في حولون، يقول في التقرير ذاته إنه “بالمقارنة بأماكن أخرى، فإن المشكلة في إسرائيل هي إشكالية صعوبة استيعاب ماهية الخطر”. ويشير إلى “احتمالية عالية لحدوث تسونامي في بحر حيفا في أعقاب هزة أرضية، وأن موجة تسونامي كهذه من شأنها أن تجتاح المنشآت الصناعية في الخليج”. وينوه إلى أن حدوث تماس بين مياه البحر وهذه المواد الخطيرة المخزنة بدرجة حرارة عالية وبضغط عال سوف يؤدي إلى نتائج كارثية فتّاكة. كما يشير إلى نقص المعلومات عن وضع المواد الخطيرة هناك، بالإضافة إلى مصانع تحوي كميات كبيرة من المواد الخطيرة، ولا يوجد لأحد أية فكرة حول محتوى الحاويات، وما هو نوع وحجم الخطر الكلي في حال انطلق ما في داخلها للبيئة المحيطة. وينوه إلى أنه رغم عدم وجود مجمعات مادة نيترات الأمونيوم في خليج حيفا في حالة إهمال كما حدث في بيروت، لكن في حيفا توجد مواد خطيرة وتخزن واحدة قرب الأخرى بشكل قريب جدًا بخلاف الأنظمة، وبالتالي فإنه في حال حدوث هزة أرضية، والتي ممكن أن تؤدي لتحرك الأرض وارتطام حاوية تحوي مواد خطيرة بأخرى، فإن الضرر سيكون كبيرًا.

كما تشير المعطيات إلى أن الخطة المطروحة والموجودة بمراحل متقدمة، والتي تشمل إقامة منشآت تخزين لوجيستي جديدة للمواد الخطيرة، لاقت معارضة من أطر مختصة. إذ قدم التنظيم البيئي “المنتدى من أجل الشواطئ” إلى لجنة التخطيط والبناء في منطقة حيفا استنئافًا على المخطط، ليدعي هذا التنظيم بأنه جرى إقرار المخطط من دون الحصول على رأي مهني بيئي يفحص نوعية المواد التي سيتم تخزينها هناك. “ولم تجري دراسة لسيناريو “أثر الدومينو”، والذي يؤثر فيه انطلاق مادة خطرة واحدة على باقي مجمعات المواد الخطرة”.

في هذها الحالة، فإن حيفا وميناؤها وخليجها وأهلها عرضة للخطر نتيجة لتشكيل الشركات الكبرى قوة ضغط كبيرة على الحكومة، وكذلك ميزانيات لا يتم تحويلها ولتقارير لا يتم تطبيقها.

تقارير وتوصيات على مدار سنوات، لكن ماذا عن الحل
يؤكد بروفيسور أهود كينان [1] في مقالته المنشورة بالعبرية في موقع “العين السابعة” (20/08/2020) وجود فساد في الحكم في إسرائيل، ويؤكد أن فضيحة عدم وجود نظام رقابي على المسؤولين هو موضوع جدير بالفحص الجدي. وينوه إلى أن المعركة الشعبية على الأمونيا في ميناء حيفا، والتي انتهت قبل ثلاث سنوات، كشفت عن ضعف الجهاز الحكومي المسؤول عن تطبيق الإجراءات الحكومية والأنظمة في الدولة. ويشير إلى أن المحكمة العليا أكدت أن وزراة حماية البيئة قد فشلت في حماية مواطني الدولة… وينتقد بدوره أداء مراقب الدولة، وتقريره الخاص الصادر في 24 حزيران/ يونيو 2019 تحت عنوان “جوانب من نشاطات الدولة في موضوع التلوث البيئي في خليج حيفا”، يقول من الغريب أن مراقب الدولة اختار لتقريره عنوانًا خاطئًا لا يعكس المضمون، فضحايا بيروت أيضًا لم يموتوا من التلوث.

ويضيف كينان في مقاله في “العين السابعة” أن “رئيس سلطة الطوارىء القومية حذّر في العام 2011 من أن خليج حيفا عامة ومصفاة النفط خاصة مستهدفة… وأنه في أي استهداف كمي ونوعي محدد للمنطقة، فإن كل المنطقة ستكون بخطر، ومن المحتمل أن يحدث وضع أثر الدومنيو في مصانع وحاويات تحمل موادًا خطيرة أخرى في المنطقة”.

ينتقد كينان بحدة وزارة حماية البيئة في تعاملها مع المخاطر في الخليج، ويقول إنه على مدار عشرين عامًا قدم مراقب الدولة عدة تقارير حادة، لكن المسوؤلين في وزارة حماية البيئة استمروا في تجاهلها لذلك، إضافة لأعذار بائسة وإلى صيغ مرواغة على شاكلة “أن فحص المخاطر المجتمعة في خليج حيفا هو فحص خاص ومركب جدًا، من ناحية منهجية مهنية ومن ناحية الحساسية التجارية والمجتمعية العالية… كما إعاقة إجراء مسح المخاطر واستكماله نبع من ضغط عمل كبير…” وما الى ذلك.

لقد أكد مراقب الدولة في تقريره أن معالجة الدولة للموضوع “غير سويّة، وأن المسؤولين عن الأنظمة والإجراءات الضابطة، وبينهم وزارة حماية البيئة ومجلس الأمن القومي والجيش والجبهة الداخلية ووزارة الأمن الداخلي ووزارة الأمن، كل هؤلاء يجب أن يأخذوا دورهم. لكن أيًا منهم لا يريد أن يتحمل المسؤولية وأن يوقّع على تقرير تقييم المخاطر. يعتقد بروفيسور كينان أن مسح المخاطر في حيفا والخليج الذي يُؤجّل ويؤجّل لن يتم تقديمه بيوم من الأيام، ويختم مقالته بقوله إنه لن نعرف أبدًا إذا كانت كارثة مع عدد إصابات هائل تهدد أهالي حيفا ومنطقة الخليج. لكن المؤكد هو أنه عند حدوث الكارثة، فإن لجنة تحقيق لن يكون بمقدارها أن تلقي المسؤولية على مسؤول ما في حكومة إسرائيل.

حيفا في خطر.

مراجع:
* بروفيسور أهود كينان. “من سيمنع تكرار كارثة بيروت في حيفا”، موقع العين السابعة – 20/08/20.
* رينات تسفرير. “عشرات آلاف أطنان النفط قرب المنازل السكنية، فشل في المراقبة: هذه هي مراكز الخطر في خليج حيفا”، تقرير- صحيفة هآرتس، ص 12 – 20/08/21.
[1] بروفيسور في الكيمياء معهد التخنيون، رئيس الجمعية الاسرائيلية للكيمياء وصاحب كتاب “حرب الأمونيا” الصادر حديًثًا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق