في ذكرى استشهاد أيقونة الشعب الفلسطيني الخالدة غسان كنفاني: مقعدك لا يزال شاغراً

بقلم: عليان عليان
غسان: ثمانية وأربعون عاماً مضت على استشهادك، وكأننا افتقدناك بالأمس القائد السياسي الفذ والأديب المبدع، ونتألم بأثر رجعي لفراقك، رغم المحطات العديدة التي مررنا بها منذ استشهادك، وللفراغ الكبير الذي تركته في ساحتنا الأدبية والكفاحية والسياسية، ولا نبالغ إذ نقول: أن مقعدك في “الهدف” بعد خمسة عقود من الزمن لا يزال شاغراً، وموقعك في المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لا يزال شاغراً… وموقعك في حركة التحرر العربية- رغم كل ما ألم بها – لا نجد من يملأه ، لما تنفرد به من خصوصية… ولا نبالغ إذ نقول أيضاً أن حضورك ودورك يا ابن الستة والثلاثين ربيعاً، في ساحة الأدب الوطني والقومي بواقعيته والعالمي بتقنيته لا يزال شاغراً .

غسان: نخبرك غسان أن (أحفاد رجال في الشمس) رفضوا الخلاص الفردي من الواقع السيئ، ذلك الخلاص الذي قاد أبو قيس ومروان وأسعد، للانقياد وراء قيادة (أبو الخيزران) المخصية وعاشوا عجز اختيار الطريق الصحيح والقيادة الصحيحة، العجز عن دق جدران الخزان ، فكان الموت.. ذلك المصير السيئ في مكب نفايات الكويت … نخبرك غسان أن أحفاد “رجال في الشمس” الذين انتظموا في صفوف المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني، لا زالوا يخوضون معركة مزدوجة ضد الاحتلال، وضد من أصروا على أن يزنوا في الثورة تحت مبررات وعناوين مختلفة .

نعلمك غسان: أن قيادة أبي الخيزران المخصية، التي تربعت منذ عقود على سدة النظام العربي الرسمي، تم استبدالها في زمن الربيع العربي المزعوم بقيادات لا خصية لها، كل همها إرضاء العم سام عبر التآمر الذي لا ينفك ضد سورية العروبة، وضد المقاومة الفلسطينية وأطراف المقاومة عموماً.

ونخبرك غسان: بأن طريق المفاوضات مع العدو الذي اقتلع شعبنا من أرضه ، ذلك الطريق الذي رفضته مبكراً وبشكل مطلق، في إحدى مقابلاتك مع الصحافة الغربية ، أصبح هو النهج السائد للقيادة المتنفذة في منظمة التحرير ، ووصلت الأمور بإحدى قيادات “النهج الأوسلوي” أن يخرج علينا بمؤلف بعنوان ( الحياة مفاوضات )…وفي ذاكرتنا ، إجابتك- التي لا تمحي على سؤال ذلك الصحافي الأسترالي عام 1970: لماذا لا تدخل منظمتكم في محادثات سلام مع الإسرائيليين؟؟، أجبت في حينه في استشراف عميق للمستقبل “أنت تقصد محادثات استسلام.. هذا نوع من الحديث بين السيف والرقبة””.

ننبيك غسان: أن (المجابهة طريق الخلاص) وعوامل التغيير الجنينية في (ما تبقى لكم) وقد تراكمت في حياتكم، استمرت في التراكم بعد استشهادكم، وبفعل نضالات شعبكم، أنجبت “كيفاً” نوعياً ، عبر عن نفسه في انتفاضتي الحجارة والأقصى، وفي الهبات الشعبية اللاحقة وفي الانتصارات المتتالية، في مواجهة سلسلة الحروب العدوانية الغاشمة على قطاع غزة… وأنجبت جيلاً بعد أوسلو ومشتقاتها ، يقذف بالحجارة والمولوتوف وبالسكين في الضفة الفلسطينية ، يطلب الموت لتوهب لشعبه الحياة ، وينطق صباح مساء بالحرية والتحرير.

وننبيك غسان بأن (أم سعد) عنوان تلك الطبقات التي لا تعرف الاستسلام ، رغم استشعارها الهزيمة وشربها الكأس المرة حتى الثمالة ، عاشت كل معارك الثورة حتى تسعينات القرن الماضي قبل الدخول في دهاليز الاستسلام ، وأن تلك ” المشحرة” ظلت على عادتها قبل وفاتها وفية لقضية الثورة والثوار… وفي هذا المقام مقام ( أم سعد ) نتذكر مقولتك “خيمة عن خيمة بتفرق ” وننبيك بأن العود اليابسة، التي زرعتها تحولت إلى كروم ودوالي ، فمن رحم الهزيمة يولد التحدي ويزدهر النصر .

ونكتشف فيك غسان التحول النظري إلى العالمية والأممية قبل أن يلج الآخرون إلى مواقعها ، فقطعت المسافة إلى النظرية عبر محطات الأدب… (فحميد ) المشرد في ( كعك على الرصيف) ليس ببعيد عن (غافروش ) المشرد في ” بؤساء فيكتور هوجو ” والمناضلة ” أم سعد ” ليست بغريبة عن ( الأم ) عند مكسيم غوركي.

وأنت في تحولك غير الآخرين ، لم يكن تحولاً ميكانيكياً ، بل عبر قراءة متأنية معمقة وتفاعل مستمر ومعاناة ، وبالتالي لم يكن صدفةً ” نفس الوجود ” في ( القبعة والنبي… والباب )، والأهم من ذلك أنك جسرت المسافة بينك وبين الاشتراكية العلمية، دون أن تغادر موقعك الوطني والقومي ، وأذبت الجليد بينك وبين النظرية بأدق تفاصيلها ،عبر تجوالك المستمر في حدائق الأدب الأممي والسوفييتي.

وتحولك في السياسة والأدب ، ارتبط بتحولك طبقياً عبر النكبة وبفعلها عام 1948 ،حيث عشت المخيم ، وعملت مع شقيقك غازي في لصق أكياس الورق الكبيرة بالصمغ ، وفي المطعم والمطبعة ، ومدرساً ، وانتهى بك المطاف مثقفاً غايةً في الثورية ، ملتزماً بأصول النظرية وأخلاقياتها ، ومن هنا كان موقعك القيادي في الثورة الفلسطينية ، ولهذا السبب استوحيت جميع أبطال رواياتك من الواقع – الذي كان يصدمك بقوة – وليس من الخيال ، فكانوا من المخيم وليس من خارجه .

غسان كنفاني :
وتختصر الحنين إليك مقولة أبو فراس الحمداني ( وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر ).. ونختصر الزمن الماضي ومحطاته ، “لتعود بنا الذاكرة إلى اليوم الذي نسفوك فيه ،كأنما نسفوا جبلاً وجبهةً وقاعدة وعاصمة، وحاربوك كما يحاربون جيشاً، لأنك رمز وحضارة جرح ، ولأن الوطن فيك صيرورة مستمرة وتحول دائم ، من سواد الخيمة حتى سواد النابالم ، ومن التشرد حتى المقاومة” – على حد تعبير الراحل الكبير محمود درويش-

نختصر الزمن الماضي ومحطاته ، وكأن جثمانك الملفوف بالعلم الفلسطيني الذي عشقته لا يزال مسجى في باحة مقبرة الشهداء ، بعد أن اغتسلت بيروت الثكلى بحزنها ، وحملتك تحت صهد شمسها الملتهبة على أكتاف الرجال الرجال من رفاقك، الذين أحبوك وساروا على دربك ، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر….

وسلونا في ذكراك أنك كنت ولا تزال مدرسةً في الإبداع الأدبي بعد أن أنجزت في زمن قياسي من عمرك أربعة عشر عملاُ أدبياً ما بين الرواية والقصة القصيرة والمسرح ، وبعد أن قدمت خدمة كبرى للمقاومة وأدبها في المناطق المحتلة من وطننا عام 1948 في مؤلفك(الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال 1948- 1968)… كنت ولا تزال ومدرسة في السياسة والكفاح ، نسترشد بها وبمنهجك الكلي …. سلام عليك .

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق